التنقل السريع

ما هو الحج؟

المعنى اللغوي

كلمة «الحج» (حَجّ) تعني في اللغة القصد، أو التوجّه إلى مكان. وتحمل معنى أن يوجّه المرء نفسه عن عمد إلى وجهة ذات مكانة وشرف. ويذكر بعض علماء اللغة أيضًا أنها تتضمن معنى تكرار الزيارة. ويُسمّى من يؤدي الحج حاجًّا (ويُقال له في لغات إسلامية أخرى: حاجي)، أي من قام برحلة مقدسة مقصودة.

التعريف الشرعي

يُعرَّف الحج في الشريعة الإسلامية بأنه: العبادة القائمة على زيارة بيت الله الحرام (المسجد الحرام) في مكة المكرمة، وأداء مناسك مخصوصة في أماكن مخصوصة، في أيام مخصوصة من شهر ذي الحجة. ومن هذه المناسك: الدخول في الإحرام، والوقوف بعرفة، والطواف بالكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمرات، وغيرها من أعمال التعبد، وكلها على الصفة التي شرعها النبي محمد ﷺ.

ويبيّن الإمام النووي رحمه الله في المجموع أن أصل معنى الكلمة في اللغة «القصد»، ثم غلب استعمالها في قصد الكعبة لأداء النسك.

الركن الخامس من أركان الإسلام

الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وآخر الأركان الخمسة التي بُني عليها الدين كله. وهو تتويج لفرائض المسلم، والعمل العظيم الذي يجمع بين الجهد البدني، والإنفاق المالي، والتعبّد الروحي، والاستسلام التام لله.

«بُني الإسلام على خمسة: على أن يُوحَّد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج». فقال رجل: «الحج وصيام رمضان؟» فقال ابن عمر: «لا، صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ».

صحيح مسلم ١٦ - عن ابن عمر رضي الله عنهما. وفي بعض الروايات، ومنها صحيح البخاري ٨، يُذكر الحج قبل الصوم؛ أما جعل الحج خامسًا فعلى هذه الرواية وعلى حديث جبريل (صحيح مسلم ٨).

الأمر القرآني

يأمر الله تعالى بالحج في القرآن الكريم فيقول:

وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ

سورة آل عمران: ٩٧

ويبيّن ابن كثير رحمه الله في تفسيره الشهير أن هذه الآية، عند الجمهور، هي آية وجوب الحج، وأن الاستطاعة التي تشترطها أنواع: فقد يكون المرء مستطيعًا بنفسه، وقد يكون مستطيعًا بغيره. وعند قوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ ينقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أن من جحد فريضة الحج فقد كفر. وينقل كذلك وعيدًا شديدًا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بإسناد صحّحه، في حق من استطاع الحج ولم يحج.

متى فُرض الحج؟

اختلف العلماء في السنة التي فُرض فيها الحج على وجه التحديد:

  • ذهب كثير من العلماء إلى أن الحج فُرض في السنة السادسة للهجرة، حين نزل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقد نقل ابن حجر العسقلاني في فتح الباري أن هذا قول الجمهور، غير أن ابن كثير (كما تقدّم) نقل عن الجمهور أن آية آل عمران (٣:٩٧) هي آية الوجوب؛ فالنقول في ذلك مختلفة.
  • وذهب آخرون، ومنهم ابن القيم في زاد المعاد، إلى أنه فُرض في السنة التاسعة أو العاشرة للهجرة، بعد نزول الآية ٩٧ من سورة آل عمران. والسنة التاسعة هي السنة التي حجّ فيها أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالناس بأمر النبي ﷺ.
  • وجعله بعضهم في السنة الخامسة للهجرة أو قبلها.

وأيًّا كانت السنة على وجه التحديد، فإن النبي ﷺ نفسه لم يحج بعد الهجرة إلا مرة واحدة، في السنة العاشرة للهجرة، فيما يُعرف بـحجة الوداع. وقد صارت هذه الحجة النموذج والسنة التي سارت عليها الأجيال من بعده.

نقطة جوهرية: لم يحج النبي ﷺ بعد الهجرة إلا مرة واحدة (صحيح البخاري ٤٤٠٤)، واعتمر أربع مرات. ومع عِظم فضل الحج، فمن حكمة الله تعالى أنه لم يُفرض إلا مرة واحدة، رحمةً بهذه الأمة.

تأمّل روحي

الحج هو الركن الوحيد من أركان الإسلام الذي يتطلب منك أن تترك كل شيء خلفك: بيتك، وراحتك، وروتينك اليومي، وهويتك الاجتماعية. فحين ترتدي قطعتي الإحرام البيضاوين، تتجرّد من علامات الثروة والمكانة والتميّز الدنيوي. فيقف رئيس الشركة الكبرى وعامل النظافة في الشارع كتفًا إلى كتف، متماثلين في المظهر، يدعوان الرب نفسه بالكلمات نفسها.

والحج أشبه بتمرين على يوم القيامة. ففي ذلك اليوم تقف البشرية كلها سواسية بين يدي الله، حفاةً عراةً، لا يملكون شيئًا إلا أعمالهم. وصعيد عرفة، حيث يقف الملايين داعين تحت السماء المكشوفة، يمنحنا لمحة من ذلك المشهد الأخير. ومن فهم هذا حق الفهم لن يعود كما كان أبدًا.

أركان الإسلام الخمسة مرسومة على هيئة خمسة أعمدة تحت سقف واحد: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، والحج، والحج مضاء بوصفه الركن الخامس؛ والأمر القرآني بالحج من سورة آل عمران (٣:٩٧) بالعربية مع معناه؛ وأربع حقائق: معنى كلمة الحج، وتعريف النووي، والسنة السادسة للهجرة سنةً لفرضه على قول الجمهور الذي نقله ابن حجر، مع قول آخرين إنها التاسعة أو العاشرة، وحجة النبي ﷺ الوحيدة بعد الهجرة، في السنة العاشرة للهجرة.

فضائل الحج

فضائل الحج عظيمة، وقد ورد ذكرها كثيرًا في القرآن وفي سنة النبي ﷺ. ولا ينبغي لحاجٍّ جادٍّ أن يشرع في هذه الرحلة دون أن يستوعب هذه البركات استيعابًا عميقًا، فمعرفة ما ينتظر الحاج المخلص هي التي تمدّه بالصبر والتحمّل والإقبال على العبادة طوال المناسك.

١. الرجوع خاليًا من الذنوب

«من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه»

صحيح البخاري ١٥٢١، صحيح مسلم ١٣٥٠ - عن أبي هريرة رضي الله عنه

وبيّن الإمام النووي أن الرفث هنا يُراد به الجماع، وكذلك الكلام الفاحش البذيء. وأن الفسوق يشمل المعاصي والذنوب كلها. فالحاج الذي يحفظ لسانه، ويملك شهوته، ويصون حرمة الإحرام، يرجو، برحمة الله، أن يرجع إلى بيته نقيًّا كالمولود.

وذكر ابن حجر العسقلاني في فتح الباري أن ظاهر هذا الحديث غفران الصغائر والكبائر، بل والتبعات، أي المظالم التي للناس. غير أن جمهور العلماء على أن الكبائر تحتاج إلى توبة خاصة، وأن حقوق الناس لا بد من ردّها إليهم، وإن ذهب بعض العلماء إلى أن الحج المبرور قد يكفّر الكبائر أيضًا، أخذًا بعموم لفظ الحديث.

٢. الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة

«العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»

صحيح البخاري ١٧٧٣، صحيح مسلم ١٣٤٩ - عن أبي هريرة رضي الله عنه

وقال الحسن البصري في معنى الحج المبرور: أن يرجع صاحبه بعد الحج زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة. وقال آخرون: هو الحج الذي أُدّي خالصًا لوجه الله، سالمًا من الرياء، ولم تُرتكب فيه معصية. وذكر العلماء كذلك أن من علامات قبول الحج أن تكون حال المرء بعده خيرًا من حاله قبله.

٣. الحج من أفضل الأعمال

سُئل النبي ﷺ: «أي الأعمال أفضل؟» فقال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: «ثم ماذا؟» قال: «جهاد في سبيل الله». قيل: «ثم ماذا؟» قال: «حج مبرور».

صحيح البخاري ١٥١٩ - عن أبي هريرة رضي الله عنه

إن قَرْن النبي ﷺ الحجَّ المبرور بالإيمان والجهاد يدل على منزلته الاستثنائية في الإسلام. فهو ليس مجرد شعيرة، بل من أعظم الأعمال التي يمكن أن يؤديها المسلم.

٤. الحجاج وفد الله وضيوفه

«الغازي في سبيل الله، والحاج، والمعتمر، وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم»

سنن ابن ماجه ٢٨٩٣ - عن ابن عمر رضي الله عنهما

يا له من شرف عظيم أن تكون من ضيوف الله. فالضيف يُقابَل بالكرم والحفاوة واللطف. والله سبحانه هو الكريم: أجاب الحجاج دعوته، ويسألونه فيعطيهم. وينبغي أن يملأ هذا الحديث قلب كل حاج رجاءً، وعزمًا على أن يسأل الله بصدق ويُكثر من سؤاله في حجه.

٥. الحج جهاد النساء

قالت عائشة رضي الله عنها: «يا رسول الله، على النساء جهاد؟» فقال: «نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة».

سنن ابن ماجه ٢٩٠١ - عن عائشة رضي الله عنها

يبيّن هذا الحديث المنزلة الروحية العظيمة للحج، إذ إن الحج والعمرة للمرأة جهادٌ لا قتال فيه. ويبيّن كذلك رحمة الإسلام في أن جعل للمرأة طريقًا إلى أعلى الأجور دون أن يُلزمها بالقتال.

٦. الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب

«تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة»

جامع الترمذي ٨١٠، سنن النسائي ٢٦٣١ - عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

في هذا الحديث تشبيه بديع: فكما ينقّي كير الحدّاد المعادن بإحراق خبثها، كذلك يطهّر الحج والعمرة نفس المؤمن من الذنوب، ويطهّران رزقه من الفقر. وقد ذكر علماء الحديث أن المتابعة بين الحج والعمرة سبب للبركة الروحية والمادية معًا.

٧. فضل أيام عشر ذي الحجة الذي لا يُضاهى

«ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» يعني الأيام العشر. قالوا: «يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟» قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء».

سنن أبي داود ٢٤٣٨، وبنحوه في صحيح البخاري ٩٦٩ - عن ابن عباس رضي الله عنهما

العشر الأوائل من ذي الحجة هي أفضل أيام السنة كلها. وفي هذه الأيام المباركة تُؤدّى مناسك الحج. وقد أقسم الله بها في القرآن فقال: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١-٢]. وقد فسّر ابن عباس وابن كثير وغيرهما من كبار العلماء هذه «الليالي العشر» بأنها العشر الأوائل من ذي الحجة.

٨. يوم عرفة - أعظم الأيام

«ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟»

صحيح مسلم ١٣٤٨ - عن عائشة رضي الله عنها

الوقوف بعرفة ذروة الحج. ففي هذا اليوم الواحد يُعتق من النار أكثر مما يُعتق في أي يوم آخر من أيام السنة. وقال النبي ﷺ أيضًا: «الحج عرفة» (جامع الترمذي ٨٨٩، سنن النسائي ٣٠١٦)، مما يدل على أن الحج كله يدور حول هذا العمل الواحد: الوقوف بين يدي الله في صعيد عرفة.

تأمّل روحي

تأمّل كرم ربك العظيم. يدعوك إلى بيته. ويرزقك نفقة رحلتك مما آتاك من رزق. ويبسط مغفرته لمن حجّ لوجهه فلم يرفث ولم يفسق. ويعطي من سأله. وفي يوم عرفة يعتق من النار أكثر مما يعتق في أي يوم آخر، ويباهي بالحجاج ملائكته. أما الحج المبرور فقد وعد عليه بالجنة، ولا جزاء له دونها. أنت الضيف، وهو سبحانه الذي ينفعك في كل خطوة. هذا هو ربك: الكريم، الذي لا حدّ لكرمه. فأقبِل عليه بإخلاص، وارجُ رحمته.

ثماني فضائل للحج مع مراجعها: يرجع الحاج خاليًا من الذنوب، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وهو من أفضل الأعمال، والحجاج وفد الله، وهو جهاد النساء، والحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب، ولا أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من العشر الأوائل من ذي الحجة، ولا يوم يعتق الله فيه من النار أكثر من يوم عرفة.

على من يجب الحج؟

الحج لا يجب على كل مسلم دون استثناء. فقد اشترط الله تعالى، برحمته وعدله، شروطًا محددة لا بد من توافرها حتى يصير الحج فريضة على المرء. وقد استنبط العلماء هذه الشروط من القرآن والسنة وإجماع الصحابة.

الشرط الأول: الإسلام

لا يجب الحج إلا على المسلم. فالحج من غير المسلم لا يصح، ولا يُطالَب بأدائه حتى يُسلم (وجمهور العلماء على أنه محاسَب في الآخرة على ترك الفرائض، وكذلك على عدم دخوله في الإسلام). فإذا أسلم المرء وجب عليه الحج متى توافرت فيه بقية الشروط.

الشرط الثاني: البلوغ

لا يجب الحج على الصبي الذي لم يبلغ. لكن إن حجّ الصبي فحجّه صحيح وله أجره، غير أنه لا يُجزئه عن حجة الإسلام. فإذا بلغ وجب عليه أن يؤدي حجة الإسلام إن كان مستطيعًا.

رفعت امرأة صبيًّا إلى النبي ﷺ فقالت: «يا رسول الله، ألهذا حج؟» قال: «نعم، ولك أجر».

صحيح مسلم ١٣٣٦ - عن ابن عباس رضي الله عنهما

الشرط الثالث: العقل

لا يجب الحج على المجنون أو فاقد العقل. وقد قال النبي ﷺ: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (سنن أبي داود ٤٤٠٣، وصححه الألباني). فلما كان المجنون غير مكلَّف، لم يلزمه الحج.

الشرط الرابع: الحرية

لا يجب الحج على المملوك، إذ لا يملك حرية السفر ولا وسيلته. وكان لهذا الشرط شأنه في الماضي. ولو حجّ المملوك ثم أُعتق، لزمه أن يحج مرة أخرى حجةَ الإسلام.

الشرط الخامس: الاستطاعة المالية

يجب أن يملك الحاج من المال ما يكفي لتغطية:

  • نفقات السفر (المواصلات، والتأشيرة، ونحوها)
  • السكن والطعام طوال الرحلة
  • نفقات مناسك الحج نفسها (الهدي، ونحوه)
  • نفقة كافية لمن يعولهم (الزوجة، والأولاد، والوالدان) يعيشون بها مدة غيابه
  • سداد الديون، فلا ينبغي أن يخرج وعليه ديون لم يرتّب أمر سدادها

نقطة جوهرية: «الاستطاعة» في قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] تشمل الاستطاعة المالية، والاستطاعة البدنية، وأمن الطريق. فإن انتفى شيء منها لم يلزم المرء أن يحج بنفسه (وأما من ملك المال دون الصحة فانظر الشرط السادس).

الشرط السادس: الاستطاعة البدنية

يجب أن يكون الحاج قادرًا بدنيًّا على السفر وأداء المناسك. فمن كان مريضًا مرضًا مزمنًا، أو شيخًا كبيرًا ضعيفًا، أو عاجزًا بدنيًّا لسبب آخر، لا يلزمه أن يحج بنفسه. لكن إن كان مستطيعًا ماليًّا، فأكثر العلماء على أنه يلزمه أن يُنيب من يحج عنه (انظر قسم «الحج عن الغير» أدناه)؛ أما المالكية فيرون أنه لا يلزمه ذلك، ويكرهون الحج عن الحي.

الشرط السابع: أمن الطريق

يجب أن يكون الطريق إلى مكة آمنًا بقدر معقول. فإن كان في السفر خطر حقيقي على النفس، كالحرب أو قطّاع الطرق أو الكوارث الطبيعية، توقّف الوجوب حتى يأمن الطريق. وقد بيّن العلماء أن مشاقّ السفر المعتادة (كالتعب، وقلة الراحة، والحنين إلى الوطن) لا تُعدّ أعذارًا معتبرة.

الشرط الثامن: للمرأة - المحرم

وهذا من أكثر الشروط نقاشًا. فقد قال النبي ﷺ:

«لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم». فقام رجل فقال: «يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتُتبت في غزوة كذا وكذا». قال: «انطلق فحج مع امرأتك».

صحيح البخاري ١٨٦٢، صحيح مسلم ١٣٤١ - عن ابن عباس رضي الله عنهما

والمحرم هو زوج المرأة، أو الرجل من أقاربها الذي يحرم عليها الزواج منه على التأبيد: أبوها، وابنها، وأخوها، وعمها أو خالها، وابن أخيها أو ابن أختها، ووالد زوجها، وزوج ابنتها (سواء أكانت الحرمة بالنسب أم بالمصاهرة أم بالرضاع).

الخلاف الفقهي: شرط المحرم

الحنفية والحنابلة: المحرم شرط لازم لسفر المرأة إلى الحج (وذلك عند الحنفية إذا كانت بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام فأكثر). فإن لم تجد محرمًا لم يجب عليها الحج، ولو كانت قادرة ماليًّا. وإن ماتت ولم تحج لعدم وجود المحرم فلا إثم عليها.

الشافعية والمالكية: المحرم مستحب، وليس شرطًا لازمًا في حج الفريضة. فإن لم تجد المرأة محرمًا، جاز لها أن تسافر مع جماعة من النساء الثقات أو رفقة مأمونة. وقد ذكر الإمام النووي في المجموع أن هذا هو مذهب الشافعية. وأجاز بعض فقهاء المالكية سفرها وحدها إن كان الطريق آمنًا.

التوجيه العملي: في زماننا يوصي كثير من العلماء بأن تسافر المرأة مع محرم ما أمكن، مع إقرارهم بأن قول الشافعية والمالكية يمنح سعة في حج الفريضة حين يتعذّر وجود المحرم حقًّا.

نصيحة عملية: إن لم تكن متأكدًا من توافر شروط الوجوب فيك، فاستشر عالمًا أو مفتيًا موثوقًا في بلدك. فهذه الشروط دقيقة، وظروفك الشخصية (كالديون، ومن تعولهم، والمشكلات الصحية) قد تؤثر في وجوب الحج عليك الآن.

الشروط التي يجب بها الحج: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة المالية، والاستطاعة البدنية، وأمن الطريق، وللمرأة المحرم، الذي يشترطه الحنفية والحنابلة ويستحبه الشافعية والمالكية.

الحج واجب مرة واحدة في العمر

انعقد إجماع العلماء على أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة. وما زاد على الحجة الأولى فهو تطوّع (نافلة) فيه أجر عظيم، لكنه غير واجب.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجّوا». فقال رجل: «أكلَّ عام يا رسول الله؟» فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال: «لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم». ثم قال: «ذروني ما تركتكم [أي: لا تسألوا عمّا لا حاجة إليه]، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه».

صحيح مسلم ١٣٣٧ - عن أبي هريرة رضي الله عنه

وفي هذا الحديث دروس عظيمة. فقد حذّر النبي ﷺ من كثرة السؤال التي قد تجرّ المشقة على الأمة. وكان سكوته بعد السؤال الأول رحمة؛ إذ لو قال «نعم» لصار الحج واجبًا كل عام، ولعجز أكثر الناس عن أدائه.

نقطة جوهرية: مع أن الحج لا يجب إلا مرة واحدة، فإن تكراره من أعظم التطوعات. وقد حثّ النبي ﷺ على المتابعة بين الحج والعمرة. غير أن بعض العلماء ذكروا أن التصدّق بنفقة حج التطوع على المحتاجين قد يكون أعظم أجرًا من حج التطوع نفسه، ولا سيما في أوقات الفقر العام. وهذا مرويّ عن الإمام أحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه، وجاءت عنه روايات أخرى بخلافه.

هل يجوز تأخير الحج؟

إذا توافرت في المرء جميع شروط الوجوب، فهل يجوز له أن يؤخر الحج إلى عام لاحق؟ هذه مسألة مهمة ذات آثار عملية.

«تعجّلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له»

مسند أحمد ٢٨٦٩ - عن ابن عباس رضي الله عنهما. ورواه أبو داود (١٧٣٢، وهو حديث حسن) بلفظ: «من أراد الحج فليتعجل».

أقوال العلماء

الخلاف الفقهي: تأخير الحج

أبو حنيفة ومالك وأحمد (الجمهور): يجب أداء الحج على الفور متى توافرت شروطه، وتأخيره بلا عذر معتبر إثم. غير أن محمد بن الحسن الشيباني ذهب إلى جواز تأخيره، وفي مذهب المالكية القولان كلاهما. ومن أدلتهم الحديث السابق الآمر بالتعجيل، وما رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (رواه سعيد بن منصور عن الحسن البصري، ولم يسمع الحسن من عمر، فإسناده منقطع) أنه قال ما معناه: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له قدرة ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين.

الإمام الشافعي: الحج واجب على التراخي، أي يجوز تأخيره ما دام المرء عازمًا على أدائه في المستقبل. لكنه يأثم إن مات ولم يحج وقد كان مستطيعًا.

تحذير بالغ الأهمية: جمهور العلماء على أن تأخير الحج بلا عذر معتبر، مع توافر الصحة والمال والقدرة، إثم. فالحياة لا يُضمن بقاؤها، والصحة تضعف، والمال قد يذهب. فلا تخاطر بركن من أركان دينك. وقد حثّ النبي ﷺ على التعجيل لهذا السبب بعينه: «فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له».

وقد ذكر العلماء أعذارًا مشروعة للتأخير، منها: المرض الشديد، والمخاوف الأمنية الحقيقية، وعدم توافر تأشيرة الحج أو تصريحه (كما في أنظمة الحصص الحديثة)، ووجود من يعولهم ممن يحتاج إلى رعايته المباشرة دون إمكان أي ترتيب بديل.

قول الجمهور، أبي حنيفة ومالك وأحمد، أن الحج يجب على الفور متى توافرت شروطه، وأن تأخيره بلا عذر معتبر إثم؛ وقول الإمام الشافعي إنه يجوز تأخيره مع العزم على أدائه، وإن كان من مات مستطيعًا ولم يحج آثمًا؛ والأعذار المشروعة للتأخير.

الحج عن الغير

من رحمة الله بهذه الأمة أنه يجوز أداء الحج عن شخص آخر في أحوال معينة.

حديث شُبرمة

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول في الحج: «لبيك عن شبرمة». فسأله النبي ﷺ: «من شبرمة؟» قال: «أخ لي» (أو «قريب لي»). فسأله: «حججت عن نفسك؟» قال: «لا». قال: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة».

سنن أبي داود ١٨١١، سنن ابن ماجه ٢٩٠٣ - عن ابن عباس رضي الله عنهما

متى يجوز الحج عن الغير؟

  1. الميت: إن مات مسلم ولم يؤدِّ حجة الإسلام، فينبغي أن يُحَجّ عنه. وعند الشافعية والحنابلة تُخرج نفقة ذلك من تركته قبل قسمة الميراث، كالدَّين؛ أما الحنفية والمالكية فلا يوجبون ذلك إلا إذا أوصى به، ولا يُخرج حينئذ إلا في حدود ثلث التركة.
  2. الشيخ الكبير أو المريض مرضًا مزمنًا: من عجز بدنيًّا عن الحج بسبب كبر السن أو مرض مزمن لا يُرجى برؤه، جاز له أن يُنيب من يحج عنه، بشرط أن يكون مستطيعًا ماليًّا.

قالت امرأة من خثعم: «يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟» قال: «نعم».

صحيح البخاري ١٥١٣، صحيح مسلم ١٣٣٤ - عن ابن عباس رضي الله عنهما

شروط الحج عن الغير

  • يجب أن يكون النائب قد أدّى حجة الإسلام عن نفسه من قبل (عند الشافعية والحنابلة، استنادًا إلى حديث شبرمة؛ ويرى الحنفية والمالكية أن حج من لم يحج عن نفسه نيابةً عن غيره صحيح مع الكراهة).
  • ينوي النائب أن هذه الحجة عن الشخص المعيَّن.
  • أن تُؤدّى المناسك كلها تامة صحيحة.
  • إذا كان الحج عن ميت، تُؤخذ النفقة من تركته (وعند الحنفية والمالكية لا يكون ذلك إلا إذا أوصى به). وإلا استُحب (من غير وجوب) لورثته أو أحبابه أن يتكفّلوا بها.

نصيحة عملية: إن كنت تحج عن قريب لك متوفى، فقل في تلبيتك: «لبيك اللهم حجًّا عن [اسم الشخص]». ويكون ذلك عند الدخول في الإحرام.

ثلاث مراحل للحج عن الغير: أن تؤدي أولًا حجة الإسلام عن نفسك، كما في حديث شبرمة؛ ثم يجوز أن تحج عن مسلم مات ولم يحج، أو عن عاجز بسبب كبر السن أو مرض مزمن وهو مستطيع ماليًّا؛ وعند الإحرام ينوي النائب عن ذلك الشخص، ويلبّي عنه، ويؤدي المناسك كلها.

الحج بالمال الحرام

طيب الكسب عامل حاسم في قبول العبادات كلها، والحج ليس استثناءً. بل لأن الحج يقتضي إنفاق المال في كل مرحلة منه، من سفر وطعام وسكن وذبح، فإن مصدر المال فيه بالغ الأهمية.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا». ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: «يا رب، يا رب»، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، «فأنّى يُستجاب لذلك؟».

صحيح مسلم ١٠١٥ - عن أبي هريرة رضي الله عنه

وقد بيّن العلماء أن الرجل المذكور في هذا الحديث اجتمعت فيه كل العلامات الظاهرة لداعٍ حريٍّ بالإجابة: فقد أطال السفر (المشقة)، وهو أشعث أغبر (التذلل)، ويرفع يديه إلى السماء (أدب الدعاء). ومع ذلك فدعاؤه بعيدٌ عن الإجابة، لأن كسبه من الحرام.

تحذير بالغ الأهمية: من حج بمال حرام فقد ارتكب إثمًا عظيمًا. ويرى جمهور العلماء (الحنفية والمالكية والشافعية) أن الحج صحيح من حيث الحكم، بمعنى أن الفريضة تسقط به، لكنه خالٍ من البركة والأجر، ويحمل الحاج إثم الكسب الحرام فوق ما بذله من جهد. أما الإمام أحمد فذهب إلى أن الحج بمال مغصوب (مأخوذ بغير حق) لا تسقط به الفريضة، وهذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة، وإن ذهب بعض الحنابلة، كابن عقيل، إلى أنه يُجزئ مع بقاء الإثم.

الاقتراض من أجل الحج

لما كان الحج لا يجب إلا على المستطيع ماليًّا، فإن الاقتراض لأداء الحج غير لازم ولا مستحب. وقد قرر العلماء أن من لا يملك نفقة الحج لا يُعدّ «مستطيعًا»، فلا يجب عليه الحج.

سُئل الصحابي عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه عن الرجل يستقرض ليحج، فقال ما معناه: ليسأل اللهَ الرزق، ولا يستقرض.

رواه عن عبد الله بن أبي أوفى من قوله (موقوفًا عليه، لا مرفوعًا إلى النبي ﷺ) الشافعيُّ وابن أبي شيبة والبيهقي (السنن الكبرى). وذكر النووي في المجموع أنه لا خلاف في أنه لا يلزمه الاقتراض للحج.

نصيحة عملية: قبل أن تحج، راجع أحوالك المالية بصدق. وتأكد أن نفقة حجك من مصادر حلال. وإن كانت عليك ديون، فاستشر عالمًا: هل تحج أولًا أم تسدد ديونك؟ وإن كان مالك مختلطًا، فطهّره قبل السفر: تُب إلى الله، وردّ ما أخذته بغير حق إلى أصحابه، وأخرِج عنك ما لا يمكن ردّه من المال الحرام.

الكسب الطيب في مقابل المال الحرام في الحج: موّل حجك من مصادر حلال؛ والحج بالمال الحرام إثم عظيم، وهو عند الجمهور يُسقط الفريضة بلا بركة ولا أجر، بينما يرى الإمام أحمد، وهو المعتمد عند الحنابلة، أن الحج بالمال المغصوب لا يُسقطها؛ ومن لا يملك النفقة لا يجب عليه الحج ولا يلزمه الاقتراض.

أنساك الحج الثلاثة

يختار الحاج عادةً أحد أنساك الحج الثلاثة عند الدخول في الإحرام. ولكل نسك أحكام مختلفة تتعلق بالإحرام والهدي وأداء العمرة. وفهم هذه الأنساك الثلاثة ضروري لكل حاج.

الجانب التمتع القِران الإفراد
المعنى «التمتع»: الانتفاع بالتحلل في الفترة بين العمرة والحج «القِران»: الجمع بين العمرة والحج معًا «الإفراد»: أداء الحج وحده
الكيفية أداء العمرة أولًا، ثم التحلل التام، ثم الإحرام بالحج من جديد يوم ٨ ذي الحجة الإحرام بالعمرة والحج معًا من الميقات، دون تحلل بينهما الإحرام بالحج وحده، دون عمرة قبله
عدد مرات الإحرام إحرامان (للعمرة، ثم للحج) إحرام واحد متصل إحرام واحد
الهدي (ذبح الذبيحة) واجب (أو صيام ١٠ أيام لمن لم يجده) واجب (أو صيام ١٠ أيام لمن لم يجده) غير واجب (لكنه مستحب)
الطواف والسعي مرتان (للعمرة، ثم للحج) تكفي مرة واحدة عن كليهما (وعند الحنفية: مرتان) مرة واحدة للحج
يناسب الحجاج القادمين من الخارج ممن يصلون مبكرًا من يسوق الهدي معه أهل مكة

التمتع - الأكثر شيوعًا بين حجاج الخارج

التمتع هو أن يؤدي الحاج العمرة في أشهر الحج (شوال، أو ذي القعدة، أو الأيام الأولى من ذي الحجة)، ثم يتحلل تحللًا تامًّا، ويستمتع بالحياة المعتادة، من لبس الثياب العادية واستعمال الطيب ونحو ذلك، حتى اليوم الثامن من ذي الحجة، حين يُحرم بالحج إحرامًا جديدًا.

وهذا هو النسك الذي أرشد إليه النبي ﷺ من لم يسق الهدي معه، فقال:

«لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة [أي: لتمتّعت]، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلّ، وليجعلها عمرة»

صحيح مسلم ١٢١٨، وبنحوه في صحيح البخاري ١٦٥١ وصحيح مسلم ١٢١٦ - عن جابر رضي الله عنه

ويجب على المتمتع ذبح شاة (من الضأن أو المعز)، أو سُبع بقرة أو بدنة. فإن عجز عن الهدي، وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج (ويستحب الشافعية أن تكون قبل يوم عرفة، ويستحب الحنفية والحنابلة أن يكون آخرها يوم عرفة)، وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله، فتلك عشرة أيام. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].

القِران - الجمع بين العمرة والحج

القِران هو أن يُحرم الحاج بنية أداء العمرة والحج معًا، فيقول عند الميقات: «لبيك اللهم عمرةً وحجًّا». ويبقى في إحرامه دون انقطاع من الميقات حتى يُتمّ مناسك الحج كلها. ويدخل طواف العمرة وسعيها في طواف الحج وسعيه (وعند الحنفية يطوف القارن ويسعى لكلٍّ منهما). ويجب على القارن أيضًا ذبح الهدي.

وهذا، على القول الأرجح، هو النسك الذي أدّاه النبي ﷺ نفسه، لأنه ساق هديه معه من المدينة، ومن ساق الهدي لا يتحلل حتى يوم النحر (العاشر من ذي الحجة).

الإفراد - الحج وحده

الإفراد هو الإحرام بالحج وحده، دون عمرة قبله أو مقرونة به، فيقول الحاج: «لبيك اللهم حجًّا». وهو أبسط الأنساك، ولا يلزم فيه الهدي (وإن كان مستحبًّا). وهذا النسك أكثر شيوعًا بين أهل مكة، الذين يمكنهم أداء العمرة في أي وقت آخر من السنة.

الخلاف الفقهي: أي الأنساك أفضل؟

الحنفية: القِران أفضل الأنساك، لأن النبي ﷺ نفسه حجّ قارنًا.

المالكية: الإفراد أفضل الأنساك، لأنه يُخلص الإحرام للحج وحده دون أن يخلطه بالعمرة، وهو النسك الذي حجّ به أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

الشافعية: الإفراد أفضل الأنساك، ثم التمتع، ثم القِران، على القول المعتمد الذي ذكره النووي في منهاج الطالبين؛ وفي المذهب قول آخر يفضّل التمتع.

الحنابلة: التمتع أفضل الأنساك لمن لم يسق الهدي، استنادًا إلى تمنّي النبي ﷺ الصريح أن لو كان تمتّع.

ملاحظة عملية: أكثر حجاج الخارج اليوم يحجون متمتعين، لأنه الأيسر والأكثر مرونة، وقد أرشد إليه النبي ﷺ من لم يسق الهدي معه.

خط زمني للأنساك الثلاثة من الميقات إلى العاشر من ذي الحجة. التمتع: إحرام بالعمرة، ثم أداء العمرة، ثم فترة تحلل من الإحرام، ثم إحرام جديد يوم الثامن؛ والهدي واجب. القِران: إحرام واحد متصل بالعمرة والحج معًا؛ والهدي واجب. الإفراد: إحرام واحد بالحج وحده؛ والهدي غير واجب لكنه مستحب.

أركان الحج وواجباته وسننه

إن فهم الفرق بين أركان الحج وواجباته وسننه أمر بالغ الأهمية. فبهذه المعرفة تعرف ما يُبطل حجك كله، وما يستوجب كفارة لجبره، وما يُنقص أجرك فحسب إن فاتك. وقد بسط ابن قدامة الكلام في هذه الأقسام في المغني، وكذلك النووي في المجموع.

تحذير بالغ الأهمية: الجهل بهذه الأقسام قد يوقع الحاج في إبطال حجه كله دون أن يشعر. فادرس هذا القسم بعناية قبل أن تسافر.

أركان الحج

الأركان هي الأجزاء الأساسية التي يقوم عليها الحج. فإن فات واحد منها كان الحج غير تام، ولا يُجبر هذا النقص بذبح ولا صيام ولا صدقة. فمن فاته طواف الإفاضة أو السعي فلا بد له من أدائه، ومن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج، وعليه أن يعيده.

# الركن الوصف الدليل
١ الإحرام (النية) الدخول في حرمة النسك بنية صادقة لأداء الحج. فلا حج بغير نية. قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» (البخاري ١، مسلم ١٩٠٧). البخاري ١، مسلم ١٩٠٧
٢ الوقوف بعرفة الحضور في صعيد عرفة أي مقدار من الوقت، ما بين الزوال (منتصف النهار) يوم التاسع من ذي الحجة وطلوع الفجر يوم العاشر، عند الجمهور؛ ويبدأ الوقت عند الحنابلة من فجر يوم التاسع، والركن عند المالكية هو الحضور بعرفة جزءًا من الليل. وهو أعظم الأركان. قال النبي ﷺ: «الحج عرفة» (الترمذي ٨٨٩). ومن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج كله. الترمذي ٨٨٩، النسائي ٣٠١٦
٣ طواف الإفاضة (طواف الزيارة) طواف الحج الرئيسي، ويُؤدّى بعد الوقوف بعرفة، يوم العاشر من ذي الحجة (أو بعده)؛ ويأتي في الترتيب المسنون بعد الرمي والنحر والحلق. ودليله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. سورة الحج: ٢٩، البخاري ١٧٣٣
٤ السعي بين الصفا والمروة المشي سبعة أشواط بين الصفا والمروة، إحياءً لذكرى سعي هاجر عليها السلام بحثًا عن الماء. قال النبي ﷺ: «اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي» (مسند أحمد ٢٧٣٦٧؛ وإسناده ضعيف، لكنه يتقوّى بطرق أخرى). سورة البقرة: ١٥٨، مسند أحمد ٢٧٣٦٧

واجبات الحج

الواجبات أعمال مطلوبة، لكنها إن فاتت أمكن جبرها بـدم (ذبيحة)، وهو في الغالب شاة تُذبح في مكة وتوزّع على الفقراء. ويبقى الحج صحيحًا، لكن الحاج يكون قد وقع في خطأ يجب تداركه.

# الواجب الوصف
١ الإحرام من الميقات يجب على الحاج أن يُحرم من الميقات المحدد لطريقه أو قبله. ومن تجاوز الميقات دون إحرام لزمه الرجوع إليه أو ذبح دم.
٢ البقاء بعرفة إلى غروب الشمس من وصل إلى عرفة نهارًا فعليه أن يبقى فيها إلى ما بعد غروب الشمس. ومن انصرف قبل الغروب ولم يرجع لزمه دم عند الحنفية والحنابلة؛ أما عند الشافعية فالدم مستحب فقط على الأصح. وعند المالكية، الحضور بعرفة جزءًا من الليل هو الركن نفسه، فمن انصرف قبل الغروب ولم يرجع تلك الليلة فقد فاته الحج.
٣ المبيت بمزدلفة بعد الدفع من عرفة، يجب على الحجاج المبيت بمزدلفة جزءًا من الليل على الأقل. ويختلف الحد الأدنى باختلاف المذاهب: لحظة بعد منتصف الليل (الشافعية)، والبقاء إلى ما بعد منتصف الليل (الحنابلة)، والنزول بها قدر حطّ الرحال في أي وقت من الليل (المالكية)، أو لحظة ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس (الحنفية، والمبيت ليلًا عندهم سنة).
٤ المبيت بمنى ليالي التشريق يجب المبيت بمنى ليالي الحادي عشر والثاني عشر (والثالث عشر لمن تأخّر) من ذي الحجة (عند المالكية والشافعية والحنابلة؛ وهو عند الحنفية سنة مؤكدة لا شيء على تاركها). ومن نفر يوم الثاني عشر بعد الرمي فذلك جائز: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
٥ رمي الجمرات رمي الجمرات (الشواخص الحجرية) بالحصى: جمرة العقبة الكبرى يوم العاشر، والجمرات الثلاث أيام الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. سبع حصيات عند كل جمرة، مع قول «الله أكبر» عند كل رمية.
٦ الحلق أو التقصير بعد الرمي يوم العاشر، يجب على الرجال حلق رؤوسهم (الحلق) أو تقصير شعورهم (التقصير)، والحلق أفضل. وتأخذ المرأة من شعرها قدر أنملة. وقد دعا النبي ﷺ للمحلّقين ثلاثًا وللمقصّرين مرة (البخاري ١٧٢٨، مسلم ١٣٠٣).
٧ طواف الوداع آخر طواف قبل مغادرة مكة. قال النبي ﷺ: «لا ينفرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» (مسلم ١٣٢٧). وتُعفى منه الحائض.

سنن الحج (المستحبات)

السنن أعمال مستحبة فيها أجر زائد، لكن لا تلزم بتركها كفارة ولا دم. غير أنه ينبغي للحاج أن يحرص على اتباع سنة النبي ﷺ ما استطاع.

  • طواف القدوم: يُؤدّى عند الوصول إلى مكة أول مرة، قبل بدء مناسك الحج (وهو واجب عند المالكية)
  • الرَّمَل: الإسراع في المشي مع مقاربة الخطى في الأشواط الثلاثة الأولى من الطواف (للرجال خاصة)
  • الاضطباع: كشف الكتف الأيمن بجعل وسط الرداء تحت الإبط الأيمن وطرفيه على الكتف الأيسر (للرجال، في طواف القدوم، وفي طواف العمرة للمتمتع؛ ولا يعدّه المالكية سنة)
  • المكث بمنى يوم الثامن من ذي الحجة والمبيت بها ليلة التاسع (الليلة التي تسبق يوم عرفة): التوجّه إلى منى يوم التروية، وصلاة الصلوات الخمس فيها
  • الإكثار من التلبية: من الإحرام حتى الرمي يوم العاشر (ويقطعها المالكية بعد زوال الشمس يوم عرفة)
  • صلاة ركعتين بعد الطواف: خلف مقام إبراهيم إن تيسّر (وهي واجبة عند الحنفية والمالكية)
  • الشرب من ماء زمزم: بعد الطواف والسعي
  • الإكثار من الدعاء في عرفة: ولا سيما بعد الظهر
  • التقاط الحصى من مزدلفة: لرمي الجمرات
  • التكبير في أيام التشريق: عقب الصلوات؛ ويبدأ به الحاج عند المالكية والشافعية والحنابلة من صلاة الظهر يوم العاشر، بعد انقطاع التلبية، واختلفت المذاهب في وقت انتهائه على وجه التحديد
الخلاف الفقهي: حكم السعي

الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة): السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج. فإن فات لم يتمّ الحج، ويبقى الحاج في حالة إحرام جزئي حتى يؤديه.

الحنفية: السعي واجب وليس ركنًا. فإن فات جُبر بدم، وإن كان أداؤه مطلوبًا بتأكيد. وذلك بناءً على أصلهم أن الركن لا يثبت إلا بدليل قطعي، وأن التعبير القرآني في شأن الصفا والمروة جاء بلفظ ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وهو في نظرهم يدل على درجة أدنى من الإلزام.

الخلاف الفقهي: عدد الأركان

المالكية والحنابلة: الأركان الأربعة المذكورة أعلاه.

الشافعية: خمسة: الأربعة المذكورة أعلاه، ويُزاد عليها الحلق أو التقصير، فهو عندهم ركن لا يُجبر بدم، لا واجب (النووي، منهاج الطالبين).

الحنفية: ركنان: الوقوف بعرفة وطواف الإفاضة. والإحرام عندهم شرط للحج لا ركن، والسعي واجب.

الخلاف الفقهي: حكم طواف الوداع

الحنفية والحنابلة: طواف الوداع واجب، وتركه يوجب دمًا.

الشافعية: هو واجب على الأظهر.

المالكية: هو سنة (مستحب)، وتركه لا يوجب شيئًا.

تأمّل روحي

إن التمييز بين الأركان والواجبات والسنن يعلّمنا أمرًا عميقًا عن العبادة: فقد جعل الله الفرائض الأساسية قليلة ميسورة، وفتح أبوابًا واسعة لمن أراد التقرّب إليه بمزيد من التعبد. فمن اقتصر على الحد الأدنى فقد أدّى الفريضة، ومن زيّن حجه بكل سنة رجا أجرًا أعظم بكل خطوة زائدة، وكل دعاء زائد، وكل لحظة يقضيها في ذكر الله.

ثلاثة أقسام لأعمال الحج. الأركان: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي، الذي يعدّه الجمهور ركنًا ويعدّه الحنفية واجبًا؛ والركن الفائت لا يُجبر بدم. الواجبات: الإحرام من الميقات، والبقاء بعرفة إلى الغروب، والمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى ليالي التشريق، والرمي، والحلق أو التقصير، وطواف الوداع، الذي يعدّه المالكية سنة؛ وفوات الواجب يُجبر بدم. السنن: لا شيء على من تركها.

نظام الكفارات (الفدية والدم)

للحج نظام مفصّل من الكفارات على المخالفات والتقصير في الواجبات. وفهم هذا النظام مهم، لأن الأخطاء واردة وتقع فعلًا في الحج، ولا سيما مع الزحام والحر والإرهاق. فينبغي للحاج أن يعرف ما يفعل إذا وقع خطأ.

القاعدة العامة

يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (أي: فاحتاج إلى الحلق فحلق، فعليه فدية: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة).

سورة البقرة: ١٩٦

تؤسس هذه الآية نظام الكفارة المخيّرة بين ثلاثة أمور لمخالفات الإحرام: الصيام، أو إطعام المساكين، أو ذبح ذبيحة.

الصنف الأول: مخالفة محظورات الإحرام

إذا ارتكب الحاج محظورًا من محظورات الإحرام، كقصّ الشعر، أو تقليم الأظافر، أو التطيّب، أو لبس المخيط (للرجال)، فالكفارة أحد الخيارات الثلاثة الآتية (يختار الحاج منها؛ والتخيير عند الحنفية لمن كان له عذر، فإن لم يكن له عذر وجبت شاة؛ والمخالفة اليسيرة، كإزالة شعرة واحدة، كفارتها أخف في جميع المذاهب):

الخيار التفصيل
صيام ٣ أيام يجوز صيامها في أي مكان، في مكة أو بعد العودة إلى البلد
إطعام ٦ مساكين لكل مسكين نصف صاع من الطعام (نحو ١٫٥ كجم من القوت الغالب كالأرز أو القمح)
ذبح شاة تُذبح شاة (من الضأن أو المعز) وتوزّع على الفقراء: في الحرم عند الحنفية والشافعية، ويجيز الحنابلة ذبحها حيث وقعت المخالفة، ولا يقيّدها المالكية بمكان

وتُعرف هذه بـفدية الأذى (نسبةً إلى قوله تعالى في الآية: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾)، ودليلها حديث كعب بن عُجرة رضي الله عنه، الذي آذاه القمل في إحرامه، فأذن له النبي ﷺ أن يحلق رأسه، وخيّره بين هذه الأمور الثلاثة (البخاري ١٨١٤، مسلم ١٢٠١).

الصنف الثاني: ترك واجب من واجبات الحج

إذا ترك الحاج أيًّا من الواجبات السبعة المذكورة أعلاه (كترك المبيت بمزدلفة، أو ترك الرمي، أو مغادرة مكة دون طواف الوداع)، فالكفارة:

ذبح شاة (دم) في مكة وتوزيع لحمها على فقراء الحرم. فإن عجز عن الذبح، وجب عليه أن يصوم ١٠ أيام (٣ في الحج و٧ إذا رجع إلى أهله)، قياسًا على هدي التمتع. وهذا البدل بالصيام هو قول المالكية والشافعية والحنابلة؛ أما الحنفية فيرون أن الدم يبقى دَينًا في ذمة الحاج حتى يقدر عليه.

الصنف الثالث: الجماع - أشد المخالفات

أشد المخالفات - قبل الوقوف بعرفة: إذا وقع الجماع من الحاج قبل الوقوف بعرفة، كانت العواقب أشد ما يكون من بين مخالفات الحج كلها:

  1. يكون الحج فاسدًا
  2. يجب عليه أن يُتمّ ما بقي من مناسك هذا الحج الفاسد (فلا يجوز له أن ينصرف منه)
  3. يجب عليه أن يعيد الحج في العام القادم
  4. يجب عليه ذبح بدنة، وعند الحنفية شاة

وبطلان الحج في هذه الحال ثابت بإجماع الصحابة، ومنه فتوى ابن عباس وابن عمر وغيرهما رضي الله عنهم أجمعين. وقد ذكر ابن قدامة في المغني أنه لا يُعلم بين العلماء خلاف في هذه المسألة.

بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول: إذا وقع الجماع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، اختلفت المذاهب:

  1. المالكية والشافعية والحنابلة (الجمهور): الحج باطل كما لو وقع قبل عرفة، فيُتمّ الحاج المناسك، ويعيد الحج، ويذبح بدنة. ويطبّق المالكية هذا الحكم إذا وقع ذلك يوم العاشر أو قبله، قبل رمي جمرة العقبة وقبل طواف الإفاضة كليهما.
  2. الحنفية: الحج يبقى صحيحًا، لأن الوقوف بعرفة قد تمّ، لكن يجب ذبح بدنة.

ويختلف كذلك وقت حصول التحلل الأول: فعند الشافعية والحنابلة يحصل بفعل اثنين من أعمال يوم العاشر الثلاثة (الرمي والحلق وطواف الإفاضة)؛ وعند المالكية برمي جمرة العقبة؛ وعند الحنفية بالحلق.

وإذا وقع الجماع بعد التحلل الأول وقبل طواف الإفاضة، فإن الحج لا يبطل، ويوجب الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) ذبح شاة. ويزيد الحنابلة أن يخرج الحاج إلى خارج حدود الحرم (كالتنعيم مثلًا) ليُحرم من جديد، ثم يطوف وهو محرم؛ ويوجب المالكية هديًا وعمرة.

الصنف الرابع: الصيد في حال الإحرام

صيد الحيوان البري في حال الإحرام محرّم تحريمًا قاطعًا. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. والكفارة ذبح مثل ما صاده من النَّعَم (يحكم به ذوا عدل)، أو إطعام المساكين بما يعادل قيمته، أو صيام عدد من الأيام يعادل ذلك.

ملخص الكفارات

المخالفة الكفارة حكم الحج
محظور من محظورات الإحرام (الطيب، قص الشعر، ونحوهما) صيام ٣ أيام، أو إطعام ٦ مساكين، أو ذبح شاة (وعند الحنفية: التخيير لصاحب العذر، وإلا فشاة) صحيح
ترك واجب من الواجبات ذبح شاة (أو صيام ١٠ أيام؛ وعند الحنفية: لا يُبدل بالصيام) صحيح
الجماع قبل عرفة ذبح بدنة (وعند الحنفية شاة) + إتمام المناسك + إعادة الحج في العام القادم باطل
الجماع بعد عرفة وقبل التحلل الأول الجمهور: كحكمه قبل عرفة (بدنة + إتمام المناسك + إعادة الحج). الحنفية: بدنة فقط باطل (عند الجمهور)؛ صحيح (عند الحنفية)
الجماع بعد التحلل الأول وقبل طواف الإفاضة ذبح شاة (عند الجمهور)؛ ويزيد الحنابلة: الإحرام من جديد من خارج الحرم لأداء الطواف صحيح
الصيد في حال الإحرام مثل الصيد من النَّعَم، أو إطعام المساكين، أو صيام أيام تعادله صحيح

نصيحة عملية: إن ارتكبت مخالفة أثناء الحج ولم تكن متأكدًا من كفارتها، فلا تفزع. اسأل عالمًا، أو توجّه إلى خدمة الإفتاء المتاحة في الحرم. ولدى كثير من حملات الحج عالم مخصص يمكنه إرشادك. ودوّن ما حدث لتتمكن من وصفه بدقة. وتذكّر أن الإسلام دين يسر: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].

ست حالات من نظام الكفارات: مخالفة محظور من محظورات الإحرام توجب صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة؛ وترك واجب يوجب شاة أو صيام عشرة أيام؛ والصيد يوجب مثله من النَّعَم أو إطعام المساكين أو الصيام؛ والجماع قبل عرفة يُبطل الحج ويوجب بدنة وإعادة الحج؛ وبعد عرفة وقبل التحلل الأول يُبطل الحج عند الجمهور، بينما يرى الحنفية أن الحج صحيح مع بدنة؛ وبعد التحلل الأول وقبل طواف الإفاضة شاة عند الجمهور.

الحج يومًا بيوم

تمتد مناسك الحج على عدة أيام، لكل يوم منها شأنه وواجباته. وفيما يلي جدول زمني شامل. وسيُفصَّل كل يوم من هذه الأيام تفصيلًا أوسع في فصول الحج المخصصة له، لكن هذه النظرة العامة تمنحك الصورة الكاملة لترى كيف تتكامل أجزاؤها.

قبل الحج: العمرة (لحجاج التمتع)

يصل حجاج التمتع إلى مكة في أشهر الحج (شوال، أو ذي القعدة، أو أوائل ذي الحجة)، فيؤدون العمرة أولًا: الطواف، والسعي، والحلق أو التقصير. ثم يتحللون من الإحرام، وينتظرون في مكة بثيابهم المعتادة حتى اليوم الثامن من ذي الحجة.

اليوم الثامن من ذي الحجة - يوم التروية

  1. الإحرام بالحج: يُحرم المتمتعون إحرامًا جديدًا من أماكن إقامتهم في مكة. أما القارنون والمفردون فهم في إحرامهم أصلًا. اغتسل، والبس ثياب الإحرام، وانوِ قائلًا: «لبيك اللهم حجًّا».
  2. التوجّه إلى منى: انطلق إلى منى بعد طلوع الشمس، وأكثِر من التلبية طوال الطريق.
  3. الصلاة في منى: صلِّ الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر في منى، مع قصر الرباعية إلى ركعتين، دون جمع. فتُصلّى كل صلاة في وقتها. ويقصر المالكية هنا وفي عرفة ومزدلفة لأن القصر عندهم من مناسك الحج؛ أما المذاهب الأخرى فالقصر عندها للمسافر، فمن عُدّ من المقيمين بمكة وفق قواعدها صلّى الصلاة تامة.
  4. المبيت بمنى: وهو سنة. اشغل وقتك بالذكر والدعاء وتلاوة القرآن والراحة.

اليوم التاسع من ذي الحجة - يوم عرفة

  1. التوجّه إلى عرفة: بعد صلاة الفجر في منى، انطلق إلى صعيد عرفة بعد طلوع الشمس، وداوم على التلبية.
  2. صلاة الظهر والعصر جمعًا وقصرًا: في مسجد نمرة (أو حيثما كنت في عرفة)، صلِّ الظهر (ركعتين) والعصر (ركعتين) جمعًا في وقت الظهر، بأذان واحد وإقامتين، كما في حديث جابر (صحيح مسلم ١٢١٨). وعند الحنفية لا يجمع بين الصلاتين إلا من صلّى خلف الإمام.
  3. الوقوف: هو أعظم أركان الحج. قف داعيًا ذاكرًا تائبًا، من بعد الصلاتين المجموعتين إلى غروب الشمس. استقبل القبلة، وارفع يديك، وابثث إلى الله ما في قلبك. فهذه هي اللحظة التي قطعت الرحلة كلها من أجلها.
  4. الدفع إلى مزدلفة بعد الغروب: إذا غربت الشمس، فانصرف من عرفة بسكينة ووقار، ولا تزاحم ولا تستعجل، واتجه إلى مزدلفة.
  5. صلاة المغرب والعشاء جمعًا في مزدلفة: صلِّ المغرب (٣ ركعات) والعشاء (ركعتين قصرًا) جمعًا في وقت العشاء.
  6. المبيت بمزدلفة: استرح ونم. وصلِّ الفجر في أول وقتها. وبعد الفجر قف مستقبلًا القبلة، وادعُ الله حتى ينتشر ضوء الصبح. واجمع حصى الجمرات (ستحتاج إلى ٧ حصيات ليوم العاشر، و٢١ لكل يوم من أيام الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، أي نحو ٤٩ إلى ٧٠ حصاة في المجموع).

اليوم العاشر من ذي الحجة - يوم النحر (عيد الأضحى)

هذا أكثر أيام الحج انشغالًا. وتُؤدّى فيه أربعة أعمال رئيسية، وترتيبها المسنون كما يلي:

  1. رمي الجمرة الكبرى (جمرة العقبة): بعد الدفع من مزدلفة، توجّه إلى الجمرات وارمِ الجمرة الكبرى وحدها بـ٧ حصيات، مكبّرًا «الله أكبر» مع كل رمية. واقطع التلبية عند ذلك.
  2. ذبح الهدي (للمتمتع والقارن): اذبح شاة (من الضأن أو المعز)، أو سُبع بقرة أو بدنة. ويرتّب كثير من الحجاج ذلك عن طريق الجهات المعتمدة. وللمفرد أن يذبح تطوعًا.
  3. الحلق أو التقصير: يحلق الرجال رؤوسهم (وهو الأفضل) أو يقصّرون شعورهم. وتأخذ المرأة قدر أنملة. وبالرمي والحلق يحصل التحلل الأول (التحلل الجزئي من الإحرام) في المذاهب الأربعة جميعًا. وبعده يحلّ كل ما كان محظورًا في الإحرام إلا الجماع (ويُبقي الشافعية والحنابلة عقد النكاح محظورًا كذلك، ويُبقي المالكية الصيد محظورًا والطيب مكروهًا، حتى طواف الإفاضة). فلك الآن أن تلبس ثيابك المعتادة، وأن تتطيّب، ونحو ذلك.
  4. طواف الإفاضة والسعي: اذهب إلى الحرم، وطُف طواف الإفاضة (٧ أشواط)، واسعَ بين الصفا والمروة (٧ أشواط)، إلا إن كنت قد سعيت سعي الحج بعد طواف القدوم (القارن والمفرد). وبعد ذلك يحصل التحلل الثاني (التحلل الكامل)، ويحلّ الجماع أيضًا.
الخلاف الفقهي: ترتيب أعمال يوم العاشر

الترتيب المسنون هو: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف. غير أن النبي ﷺ سُئل عمّن قدّم شيئًا من هذه الأعمال أو أخّره، فقال في كل حالة: «افعل ولا حرج» (البخاري ٨٣، مسلم ١٣٠٦). ولذلك ذهب جمهور العلماء إلى أن مخالفة الترتيب جائزة بلا كفارة، وإن كان اتباع الترتيب المسنون أفضل. أما على المعتمد عند الحنفية، وهو قول أبي حنيفة، فإن تغيير الترتيب بين الرمي والذبح (للقارن والمتمتع) والحلق يوجب دمًا، وعند المالكية تلزم الكفارة من حلق أو طاف للإفاضة قبل الرمي.

نصيحة عملية: لا يلزم أداء طواف الإفاضة يوم العاشر. فالسنة أن يُؤدّى يوم العاشر، لكن يجوز تأخيره إلى الحادي عشر أو الثاني عشر حين يخفّ الزحام في الحرم. وتختلف المذاهب في آخر وقت يجوز تأخيره إليه: فالحنفية يوجبونه في أيام النحر (أي قبل انقضاء اليوم الثاني عشر من ذي الحجة)، وإلا وجب دم؛ والمالكية يوجبون دمًا إن أُخّر إلى ما بعد انقضاء شهر ذي الحجة؛ أما الشافعية والحنابلة فلا يحددون له آخر وقت، وإن كان لا ينبغي تأخيره بلا حاجة.

من الحادي عشر إلى الثالث عشر من ذي الحجة - أيام التشريق

  1. المكوث بمنى: بِت ليالي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر في منى.
  2. رمي الجمرات الثلاث كل يوم: بعد الزوال (دخول وقت الظهر) كل يوم، ارمِ الجمرة الصغرى (٧ حصيات)، ثم قف مستقبلًا القبلة وادعُ. ثم ارمِ الجمرة الوسطى (٧ حصيات)، ثم قف وادعُ. ثم ارمِ الجمرة الكبرى (٧ حصيات)، ولا تقف للدعاء بعدها.
  3. خيار التعجّل يوم الثاني عشر: يقول الله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. فيجوز للحاج أن يغادر منى يوم الثاني عشر بعد الرمي، بشرط أن يخرج منها قبل غروب الشمس. فإن غربت عليه الشمس وهو في منى، لزمه البقاء لليوم الثالث عشر والرمي فيه (وهذا قول الجمهور؛ ويجيز الحنفية النفر ما لم يطلع فجر اليوم الثالث عشر، مع الكراهة).

طواف الوداع

قبل مغادرة مكة، يجب على الحاج أن يؤدي طواف الوداع (وهو واجب عند الجمهور، وسنة عند المالكية). وينبغي أن يكون آخر ما يفعله في مكة، فلا تسوّق، ولا زيارات، ولا مكوث بعده، إلا ما يقتضيه السفر نفسه، كتحميل الأمتعة أو شراء الزاد في طريق الخروج. قال النبي ﷺ: «لا ينفرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» (صحيح مسلم ١٣٢٧).

الإعفاء من طواف الوداع

المرأة الحائض وقت المغادرة معفاة من طواف الوداع. ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفّف عن المرأة الحائض» (البخاري ١٧٥٥، مسلم ١٣٢٨).

تأمّل روحي

رحلة الحج صورة لرحلة الحياة نفسها. فأنت تبدأ بالاستعداد والنية، كما استعدّ والداك لقدومك إلى هذه الدنيا. وتقف بين يدي الله في صعيد عرفة متجردًا من كل شيء، كما ستقف بين يديه يوم القيامة. وتضحّي بما تحب، كما كان إبراهيم عليه السلام مستعدًّا لأن يضحّي بابنه الحبيب. وترجم الشيطان، كما يجب عليك أن تقاوم وساوسه كل يوم من أيام حياتك. ثم ترجو أن تعود إلى بيتك مطهَّرًا من الذنوب، كيوم ولدتك أمك، كما ترجو، برحمة الله، أن تدخل الجنة مطهَّرًا.

كل خطوة في الحج درس، وكل منسك تذكرة. ومن أدّى الحج بوعي وتأمّل وجد أنه عاش عمرًا كاملًا من النمو الروحي في أيام قليلة.

مخطط لمسار الحاج بحسب الأيام والأماكن: من مكة إلى منى يوم الثامن؛ وعرفة يوم التاسع، ومزدلفة ليلتها؛ ويوم العاشر الجمرة الكبرى في منى، والذبح والحلق، ثم طواف الإفاضة والسعي في مكة والعودة إلى منى؛ ومن الحادي عشر إلى الثالث عشر في منى برمي الجمرات الثلاث، مع خيار المغادرة يوم الثاني عشر قبل الغروب؛ ثم طواف الوداع في مكة.

محطة مراجعة - اختبر نفسك

اختبر معلوماتك

اختبر معلوماتك في أحكام الحج وأنساكه وواجباته.

ابدأ اختبار فقه الحج ←

أخبار ذات صلة - مستجدات الحج

المزيد من الأخبار ←