Health Minister Inspects Makkah Medical Facilities, Ensures Full Readiness for Hajj 1447 AH - وكالة الأنباء السعودية
Health Minister Inspects Makkah Medical Facilities, Ensures Full Readiness for Hajj 1447 AH وكالة الأنباء...
الاستعداد، ومنى، ويوم عرفة، ومزدلفة
الحج ليس عطلة، وليس رحلة سياحية. إنه أحد أركان الإسلام الخمسة، وفريضة على كل مسلم مستطيع بدنيًّا وماليًّا، مرة واحدة في العمر. والاستعداد الذي تبذله قبل سفرك هو الذي سيحدد مباشرةً جودة ما تعيشه حين تصل. فابدأ الاستعداد قبل أشهر، لا قبل أيام.
الاستعداد الروحي للحج أهم من أي شيء تضعه في حقيبتك. فأنت مقبل على رحلة أرسى دعائمها النبي إبراهيم عليه السلام، وأتمّها النبي محمد ﷺ، ويتمناها كل مسلم صادق. فأعطها ما تستحقه من الجدية والتعظيم.
قال النبي ﷺ: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه»
صحيح البخاري ١٥٢١اقرأ هذا الحديث مرة أخرى. يرجع خاليًا من الذنوب، كالمولود يوم ولادته. ذلك هو الوعد لمن حجّ بإخلاص وصبر، ومن غير رفث ولا فسوق. ويبيّن العلماء أن الديون وسائر حقوق الناس لا بد من ردّها إلى أصحابها، وأن الكبائر تحتاج إلى توبة صادقة. فاستعدّ على هذا الأساس.
الاستعداد البدني: ابدأ المشي بانتظام قبل الحج بشهرين أو ثلاثة أشهر على الأقل، وارفع لياقتك تدريجيًّا. ستمشي في الحج ما بين ١٠ و٢٠ كيلومترًا في اليوم، وكثيرًا ما يكون ذلك في درجات حرارة تتجاوز ٤٠ درجة مئوية. فإن لم تكن مستعدًّا بدنيًّا، سلبك الإرهاق قدرتك على العبادة في أهم اللحظات. امشِ في الحرّ إن أمكنك. اصعد الدرج. قوِّ عضلات ساقيك. جسدك هو مركبك في هذه الرحلة، فتأكد أنه جاهز.
الاستعداد النفسي: سيُمتحن صبرك باستمرار. الحرّ لا يرحم، والزحام لا يشبه شيئًا مما عرفته من قبل. ستفقد رفاقك، وستتأخر الحافلات ساعات، وستكون دورات المياه متسخة، والنوم قليلًا، والطعام بسيطًا. ومع كل ذلك عليك أن تحافظ على هدوئك ولطفك وتعبّدك. قال النبي ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير» (مسلم ٢٦٦٤). والقوة النفسية في الحج لا تقل أهمية عن القوة البدنية.
احزم أمتعتك بخفة، لكن بذكاء. ستتنقل بين المواقع كثيرًا، وغالبًا ما تحمل أغراضك معك. فكل غرض لا حاجة إليه يصبح عبئًا، وكل غرض ضروري تنساه يصبح أزمة. وقد صُقلت القائمة التالية بتجارب حجاج لا يُحصَون.
تحذير: لا تأخذ معك أشياء ثمينة أو مجوهرات أو مبالغ نقدية كبيرة. فالسرقة تقع رغم قدسية المكان. أبقِ جواز سفرك وهاتفك وما تحتاجه من نقود معك على جسدك في كل الأوقات، في حقيبة خصر أو حزام مخفي تحت ملابسك. وإذا وضعت حقيبتك أرضًا، فافترض أنك قد لا تراها مرة أخرى.
الحج عند معظم الناس فرصة روحية لا تتاح في العمر إلا مرة واحدة. إنه أقرب ما ستكون على هذه الأرض إلى يوم القيامة: تقف مع الملايين على قدم المساواة، مجرَّدًا من المكانة والمال والهوية، ملبّيًا نداء خالقك. فلا تضيّعه.
عطّل وسائل التواصل الاجتماعي. أطفئ الإشعارات. احذف التطبيقات إن لزم الأمر. كن حاضرًا بكُلّيتك، حضورًا تامًّا كاملًا.
اجعل أيام حجك خلوة بينك وبين الله وحده.
لم تكن مع النبي ﷺ كاميرا، بل كان معه الخشوع. ولم ينشر من عرفة منشورًا، بل رفع يديه إلى رب السماوات والأرض يدعوه. سيأتي وقت تشارك فيه تجربتك لاحقًا، أما لحظة كالتي أنت مقبل عليها فلن تتكرر أبدًا.
كل ثانية تقضيها في ضبط زاوية الكاميرا في عرفة ثانيةٌ كان يمكنك أن تقضيها في الدعاء. وكل رسالة واتساب ترسلها من مزدلفة لحظة ذكر ضاعت إلى الأبد. الناس في بلدك يمكنهم الانتظار، أما هذه اللحظة فلا تنتظر: فهذا الموعد له وقت محدد، ولن يعود.
أنت مقبل على الوقوف في صعيد عرفة، حيث التقى آدم وحواء عليهما السلام، بحسب بعض الروايات، بعد أن أُهبطا إلى الأرض، وحيث وقف النبي محمد ﷺ في حجة الوداع، بعد أن خطب جمعًا عظيمًا من أصحابه في الوادي المحاذي لها، وحيث يدنو الله ويباهي بك الملائكة. وأنت مقبل على المبيت تحت السماء المكشوفة في مزدلفة وليس بينك وبين النجوم شيء. وأنت مقبل على رمي الجمرات، في المواضع التي حاول فيها الشيطان، بحسب ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن يصرف إبراهيم عليه السلام عن طاعة ربه.
فلا تدع إشعارًا يسرق منك لحظة واحدة من تلك اللحظات.
قبل أن نخوض في التفاصيل، لا بد من فهم المسار الكامل للحج. فكل مرحلة تعقب التي قبلها في ترتيب شرعه الله، يقتفي خطى النبي محمد ﷺ في حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة.
تتناول هذه الصفحة الخطوات من ٤ إلى ٦ بالتفصيل، من الإحرام في الثامن من ذي الحجة حتى ليلة المبيت بمزدلفة. أما بقية المناسك (من العاشر فما بعده) فتجدها في الحج - الجزء الثاني.
يُسمّى الثامن من ذي الحجة يوم التروية، ومعناه حرفيًّا يوم الارتواء والتزوّد بالماء. فقد كان الحجاج قديمًا يملؤون فيه أوعية الماء ويسقون دوابهم استعدادًا للرحلة إلى عرفة، إذ لم يكن في منى ولا عرفة ماء جارٍ، فكان يومَ تجهيز عملي ضروري. وما زال الاسم باقيًا حتى اليوم، مع أن شبكات المياه قد حُدِّثت.
في هذا اليوم يبدأ الحج فعليًّا وبصورة جادة. فأيًّا كان نوع نسكك، ففي الثامن تبدأ الرحلة إلى المشاعر المقدسة.
للمتمتع: لقد أتممت عمرتك من قبل وتحللت من إحرامك. والآن عليك أن تُحرم من جديد، وهذه المرة للحج خاصة. افعل ذلك من مكان إقامتك في مكة (أو حيثما كنت مقيمًا). وتُراعى الآداب نفسها التي راعيتها عند إحرامك للعمرة:
انوِ الحج:
ولك أن تقول النية بصيغة أتم:
للقارن والمفرد: أنت مُحرم أصلًا من الميقات، وما زلت على إحرامك منذ وصولك، فتستمر عليه فحسب.
الاشتراط في النية: إذا كنت تخشى مرضًا أو طارئًا قد يمنعك من إتمام الحج، فلك أن تشترط عند دخولك في الإحرام (وقد كان ذلك عند الميقات بالنسبة إلى القارن والمفرد)، فتقول: «اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» (أي: موضع تحلّلي من الإحرام حيث تمنعني). وعند الشافعية والحنابلة يبيح لك هذا الشرط التحلل من الإحرام دون أن يلزمك شيء إن مُنعت حقًّا من إتمام المناسك (ولا يرى الحنفية والمالكية للشرط هذا الأثر). وأصل ذلك حديث ضُباعة بنت الزبير رضي الله عنها (البخاري ٥٠٨٩، مسلم ١٢٠٧).
فإذا عقدت نيتك، فابدأ بالتلبية ولا تنقطع عنها:
توجّه إلى منى قبل الظهر إن أمكنك، فهذه سنة النبي ﷺ. وتبعد منى عن المسجد الحرام نحو ٥ إلى ٨ كيلومترات بحسب موقع مخيمك. ومعظم الحجاج ينتقلون بالحافلات (التي ترتبها شركة الحج التي يتبعونها)، وبعضهم يمشي. ويستغرق المشي نحو ساعة ونصف إلى ساعتين بحسب سرعتك والزحام.
وطوال الطريق، أبقِ لسانك رطبًا بالتلبية. ارفع بها صوتك (للرجال)، واخفضه (للنساء). واستشعر معناها. فأنت تجيب نداء الله، النداء نفسه الذي أطلقه إبراهيم عليه السلام حين أُمر أن يؤذّن في الناس جميعًا بالحج: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]
منى وادٍ فسيح بين مكة وعرفة، يُعرف بـ«مدينة الخيام». وقد أدّى فريضة الحج في عام ٢٠٢٦ (١٤٤٧ هـ) نحو ١٫٧ مليون حاج (بحسب الإحصاءات السعودية الرسمية)، وتمتد خيام منى المكيّفة على مدّ البصر. وستُخصَّص لك خيمة عن طريق شركة الحج التي تتبعها. فاعثر على مكانك، واستقر فيه، وابدأ عبادتك.
صلِّ الصلوات التالية في منى، كلٌّ منها مقصورة إلى ركعتين (وانظر التنبيه الفقهي أدناه فيمن يقصر)، لكن دون جمع، فكل صلاة تؤدَّى في وقتها المحدد:
| الصلاة | عدد الركعات | الوقت |
|---|---|---|
| الظهر | ٢ (مقصورة) | في وقت الظهر |
| العصر | ٢ (مقصورة) | في وقت العصر |
| المغرب | ٣ (لا تُقصر، فالمغرب لا تُقصر أبدًا) | في وقت المغرب |
| العشاء | ٢ (مقصورة) | في وقت العشاء |
| الفجر (يوم التاسع) | ٢ (الفجر ركعتان دائمًا) | في وقت الفجر صباح يوم التاسع |
روى جابر رضي الله عنه في صفة حجة النبي ﷺ: «وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر»، يعني بمنى.
صحيح مسلم ١٢١٨المبيت بمنى في اليوم الثامن (ليلة التاسع) يعدّه جمهور العلماء سنة (مستحبًّا) لا واجبًا. فإن فاتك المبيت بمنى فحجك صحيح ولا شيء عليك. لكن اتباع السنة هو الأفضل دائمًا. القصر: يقصر المالكية الصلاة الرباعية هنا وفي عرفة وفي مزدلفة لأنه من نسك الحج، وذلك لكل أحد إلا أهل كل موضع منها. أما عند الحنفية والشافعية والحنابلة فالقصر للمسافر، فمن عُدّ مقيمًا بمكة على قواعدهم صلى الصلاة تامة (وهو عند الحنفية من نوى الإقامة بمكة ١٥ يومًا فأكثر قبل خروجه إلى منى). فاتبع مذهبك، وإن لم تكن متأكدًا فاسأل عالم مجموعتك.
يوم الثامن من ذي الحجة في منى هو وقت استعدادك. اعتبره معسكر الانطلاق قبل صعود القمة. فاغتنم هذا الوقت بحكمة:
منى معسكرك قبل صعود القمة. فكما يستعد المتسلق لصعود قمة إيفرست، هنا تجمع شتات نفسك. غدًا يوم عرفة، اليوم الذي يمكن أن تتغير فيه حياتك كلها إلى الأبد. اليوم الذي يدنو فيه الله ويباهي بك الملائكة. اليوم الذي يُعتق فيه من النار أكثر مما يُعتق في أي يوم آخر من أيام السنة كلها. هيّئ قلبك الليلة. نقّه. أفرغه من كل شيء إلا الله. فغدًا ستحتاج أن تكون كل زاوية من زوايا هذا القلب مفتوحة مستعدة لتلقّي رحمته.
هذا أهم يوم في الحج، وهو من أعظم الأيام في التقويم الإسلامي كله. ومن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج كله.
بعد صلاة الفجر في منى صباح التاسع، استعدّ للتوجه إلى عرفة. ولا داعي للعجلة، فقد كانت سنة النبي ﷺ أن يصل إلى عرفة بعد منتصف النهار (بعد زوال الشمس عن كبد السماء). والمسافة من منى إلى عرفة نحو ١٢ كيلومترًا (من ١٠ إلى ١٤ كم بحسب موقع مخيمك). ومعظم الحجاج ينتقلون بالحافلات، وقد تستغرق الرحلة وقتًا أطول بكثير مما تتوقع بسبب الأعداد الهائلة من الناس.
وطوال الطريق، واصل التلبية والتكبير والتهليل:
سأل محمد بن أبي بكر الثقفي أنسَ بن مالك رضي الله عنه عن التلبية وهما في الطريق من منى إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون مع النبي ﷺ؟ فقال أنس: «كان يُهِلّ منا المُهِلّ فلا ينكر عليه، ويكبّر منا المكبّر فلا ينكر عليه»
صحيح البخاري ١٦٥٩ومعنى ذلك أن في الأمر سعة: فلبِّ، أو كبّر، أو راوح بينهما. والمهم أن يكون لسانك وقلبك مشغولين بذكر الله طوال الطريق.
لا مكان على وجه الأرض ولا يوم في السنة تكون فيه رحمة الله أوسع وأقرب منالًا مما تكون في صعيد عرفة يوم التاسع من ذي الحجة. وليس هذا مبالغة، بل يقوم على أحاديث صحيحة، كحديث صحيح مسلم ١٣٤٨ الآتي.
قال النبي ﷺ: «الحج عرفة»
أحمد، وأبو داود ١٩٤٩، والترمذي ٨٨٩، والنسائي ٣٠١٦، وابن ماجه ٣٠١٥وهذه العبارة من أوجز ما ورد في الهدي النبوي وأبلغه. ومعناها أن الوقوف بعرفة هو لبّ الحج وجوهره. وكل ما سواه، من منى ومزدلفة والجمرات والطواف، يدور حول هذا اليوم الواحد. فلو أدّى شخص سائر مناسك الحج على أكمل وجه وفاته الوقوف بعرفة، لم يصح حجه. ولو فاته كل ما سوى ذلك وأدرك عرفة في وقتها المعتبر، أمكنه أن يتم حجه.
بالغ الأهمية: الوقوف بعرفة هو الركن الوحيد من أركان الحج الذي له وقت محدد لا يصح أداؤه خارجه. يجب أن تكون داخل حدود عرفة في الفترة ما بين زوال الشمس (وقت الظهر) يوم التاسع من ذي الحجة وطلوع الفجر يوم العاشر من ذي الحجة. فإن لم تكن داخل حدود عرفة في هذه الفترة، لم يصح حجك، ولا سبيل إلى تدارك ذلك. (ويكفي الحضور في أي لحظة من هذه الفترة. وهذه الفترة هي قول الجمهور؛ أما الحنابلة فيبدأ الوقت عندهم من فجر يوم التاسع، والركن عند المالكية هو الحضور بعرفة لحظةً على الأقل بعد غروب الشمس، وهذا سبب آخر لئلا تغادر قبل الغروب أبدًا.)
قال النبي ﷺ: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟»
صحيح مسلم ١٣٤٨توقّف وتأمّل ما يقوله لك هذا الحديث. خالق السماوات والأرض، الغني عن كل شيء وعن كل أحد، يدنو من عباده في هذا اليوم ويباهي بهم الملائكة. يباهي بك أنت. أشعثَ أغبرَ منهكًا، لا تلبس إلا قطعتين بيضاوين، لا يميّزك شيء عمّن بجانبك، والله يباهي بك. ويقول للملائكة: «ما أراد هؤلاء؟»، لا لأنه لا يعلم، بل تكريمًا لك أمام أهل السماء.
وهذا أيضًا هو اليوم الذي أكمل الله فيه دين الإسلام. فقد نزلت فيه آية بلغ من عظم شأنها أن رجلًا من اليهود أدرك قدرها:
قال رجل من اليهود لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: «يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا». قال: «أي آية؟» قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فقال عمر: «قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ، وهو قائم بعرفة يوم جمعة» (البخاري ٤٥، مسلم ٣٠١٧)
صحيح البخاري ٤٥وهذا أيضًا هو المكان الذي التقى فيه آدم وحواء عليهما السلام، بحسب بعض الروايات، بعد أن أُهبطا إلى الأرض؛ فبعد الفراق والوحدة والتوبة، جُمع بينهما في هذا الصعيد. واسم «عرفة» مشتق من الجذر العربي الدال على المعرفة والتعارف، ومن التفسيرات المذكورة للتسمية أنه الموضع الذي تعارفا فيه من جديد.
في عرفة تصلي الظهر والعصر جمعًا في وقت الظهر (جمع تقديم)، وتقصر كلًّا منهما إلى ركعتين. وتختلف المذاهب فيمن يجمع ومن يقصر: انظر التنبيه الفقهي أدناه، والتنبيه الوارد تحت «الصلاة في منى».
وهذا هو فعل النبي ﷺ بعينه، كما رواه جابر رضي الله عنه في وصفه المفصّل لحجة الوداع (مسلم ١٢١٨). والغاية من الجمع بين الصلاتين إطالة الوقت المتاح للدعاء والتضرع في عشية هذا اليوم المبارك.
مذهب الحنفية: يرى أبو حنيفة أن الجمع بين الظهر والعصر في عرفة لا يجوز إلا لمن صلى في جماعة خلف إمام الحج (وهو ولي الأمر أو نائبه)، كما في مسجد نمرة. فمن صلى في غير ذلك (كخيمته مثلًا) صلى كل صلاة في وقتها. وأجاز صاحباه أبو يوسف ومحمد الجمع حتى للمنفرد. مذهب المالكية والشافعية والحنابلة: الجمع في عرفة جائز أينما صليت، لا خلف الإمام في مسجد نمرة فقط. فالمالكية يربطونه بنسك الحج نفسه، والشافعية والحنابلة يربطونه بالسفر. فاتبع مذهبك، وإن لم تكن متأكدًا فاسأل عالم مجموعتك.
الوقوف بعرفة هو ركن الحج. وإليك أحكامه الأساسية:
تحذير: بطن عُرَنة (وادي عُرَنة) ليس من عرفة. وقد قال النبي ﷺ: «كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عُرَنة» (ابن ماجه ٣٠١٢؛ وفي صحيح مسلم ١٢١٨: «وعرفة كلها موقف»). ومسجد نمرة يقع جزء منه في عُرَنة وجزء في عرفة، فإن صليت فيه فتأكد أنك في الجزء الواقع في عرفة. وإن شككت فتقدّم أكثر إلى داخل الصعيد.
بعد صلاة الظهر والعصر جمعًا، يبقى أمامك نحو خمس إلى ست ساعات حتى غروب الشمس. وهذه، بلا مبالغة، أثمن ساعات حياتك كلها. فلا لحظة يكون فيها الدعاء أرجى للقبول، ولا مكان تكون فيه رحمة الله أقرب منالًا، ولا فرصة ستتكرر بهذه الشدة.
ادعُ الله. ثم ادعُ أكثر. ثم ادعُ أكثر وأكثر. لا تتوقف. ولا تُمسك عن شيء. ولا تحسبنّ أي طلب أكبر أو أصغر من أن تسأله. فالله رب السماوات والأرض، وهو في هذا اليوم يدنو من أهل عرفة (صحيح مسلم ١٣٤٨).
قال النبي ﷺ: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» (الترمذي ٣٥٨٥، وحسّنه الألباني)
وإليك كيف تقضي ساعات عرفة:
أعِدّ قائمة أدعية: قبل الحج، اكتب كل ما تريد أن تسأله الله. كل شخص تريد أن تدعو له. كل ذنب تريد أن يُغفر لك. كل كرب تريد أن يُكشف عنك. كل نعمة تريد أن تُعطاها. كل أمنية لديك. اكتب ذلك كله على الورق واحمل هذه القائمة معك إلى عرفة. فحين تغلبك العاطفة ويخلو ذهنك من الكلمات، ستهديك قائمتك.
الساعة الذهبية: يرى العلماء أن الوقت من بعد العصر إلى المغرب أبرك أوقات الدعاء في يوم عرفة. وقد ظل النبي ﷺ واقفًا يدعو من بعد الصلاة حتى غربت الشمس (مسلم ١٢١٨). فحين تبدأ الشمس بالميل نحو الغروب، ابذل كل ما عندك، ولا تدّخر شيئًا. فهذه ذروة الذروة: أقدس ساعات أقدس يوم في أقدس رحلة. فلا تضيّع منها ثانية واحدة.
أنت تقف حيث وقف النبي محمد ﷺ. والرجال من حولك يلبسون ما يُلفّ فيه الميت حين يُكفَّن. وأنت مساوٍ لكل نفس في ذلك الصعيد الواسع الذي لوّحته الشمس، لا لقب، ولا مال، ولا جاه، ولا امتياز. الملك وعامل النظافة يقفان جنبًا إلى جنب. والأستاذ الجامعي ومن لا يعرف القراءة يرفعان الأيدي نفسها إلى الرب نفسه.
إنها صورة مصغّرة من يوم القيامة. في ذلك اليوم لن تكون هناك فرصة ثانية. أما اليوم، في عرفة، فأبواب الرحمة مفتّحة على مصاريعها. قال النبي ﷺ: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟» (صحيح مسلم ١٣٤٨)
لا تحبس دمعة واحدة. ولا تترك دعاءً واحدًا دون أن تدعو به. ولا تضيّع لحظة واحدة في غير مناجاة ربك. فقد تكون هذه هي المرة الوحيدة التي تقف فيها هنا. فاجعلها ذخرًا يبقى لك إلى الأبد.
مع غروب شمس يوم عرفة، تبدأ مرحلة جديدة من الحج. فقد بقي النبي ﷺ بعرفة حتى غاب قرص الشمس تمامًا تحت الأفق، ثم دفع منها بسكينة إلى مزدلفة (مسلم ١٢١٨). فاقتدِ به في ذلك تمامًا.
تحذير: لا تغادر عرفة قبل غروب الشمس إن كنت قد وصلت إليها نهارًا. فقد ثبت صراحةً أن النبي ﷺ انتظر حتى غربت الشمس قبل أن يدفع منها. عند الحنفية والحنابلة: البقاء إلى الغروب واجب، فمن دفع قبله لزمه دم (ذبيحة جبرانًا) إلا أن يعود قبل غروب الشمس. عند الشافعية: الحج صحيح، والدم مستحب لا واجب (على الأصح في المذهب)، ولا دم عليه أصلًا إن عاد قبل الفجر. عند المالكية: الحضور بعرفة جزءًا من الليل هو الركن نفسه، فمن دفع قبل الغروب ولم يرجع قبل الفجر فاته الحج. وفي كل الأحوال فالسنة واضحة: انتظر حتى تغرب الشمس.
مهم: لن تصلي المغرب في عرفة. وحتى لو دخل وقت المغرب وأنت ما زلت في عرفة أو في الطريق، فأخّرها. فستصليها مجموعة مع العشاء في مزدلفة. وهذا اتباع لفعل النبي ﷺ بعينه.
إن تأخرت كثيرًا وخشيت أن يخرج وقت العشاء أيضًا قبل وصولك إلى مزدلفة، فإن العلماء يرشدون إلى صلاة المغرب والعشاء في الطريق بدلًا من ترك الصلاة حتى يخرج وقتها كليًّا. أما في الظروف المعتادة (ولو مع تأخر كبير)، فينبغي تأخير المغرب لتُجمع مع العشاء في مزدلفة كما فعل النبي ﷺ.
مزدلفة صعيد مكشوف بين عرفة ومنى. ولا خيام فيه لأكثر الحجاج ولا مساكن، وإنما فيه مرافق أساسية كالإنارة ودورات المياه. وهنا يبيت ملايين الحجاج تحت السماء المكشوفة، في تجربة من أشد تجارب الحج كلها بعثًا على التواضع، وأبقاها في الذاكرة.
حين تصل، اختر أي بقعة مناسبة داخل حدود مزدلفة واستقر فيها. فلا توجد أماكن مخصصة، وإنما تبحث عن أرض فارغة.
قال النبي ﷺ: «كل المزدلفة موقف، وارفعوا عن بطن مُحَسِّر»
سنن ابن ماجه ٣٠١٢ (والشطر الأول منه في صحيح مسلم ١٢١٨)تحذير: وادي مُحَسِّر يقع بين مزدلفة ومنى، وهو ليس من مزدلفة. ويذكر كثير من العلماء أنه الموضع الذي أُهلك فيه جيش أبرهة وفيله، وإن اختلف المؤرخون في ذلك. فلا تتوقف فيه ولا تنزل به: فقد أسرع النبي ﷺ في المرور به (مسلم ١٢١٨).
عند وصولك، صلِّ المغرب والعشاء جمعًا في وقت العشاء. وهذا من المواضع القليلة في السنة التي تُجمع فيها الصلاتان في وقت المتأخرة منهما (جمع تأخير):
جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد وإقامتين، ولم يصلِّ بينهما شيئًا من النوافل.
صحيح مسلم ١٢١٨في مزدلفة (أو لاحقًا في منى، فكلاهما جائز) اجمع الحصى لرمي الجمرات في الأيام القادمة:
| اليوم | الجمرة | عدد الحصيات المطلوبة |
|---|---|---|
| ١٠ ذي الحجة | جمرة العقبة فقط | ٧ |
| ١١ ذي الحجة | الجمرات الثلاث (٧ لكل جمرة) | ٢١ |
| ١٢ ذي الحجة | الجمرات الثلاث (٧ لكل جمرة) | ٢١ |
| ١٣ ذي الحجة (لمن تأخّر) | الجمرات الثلاث (٧ لكل جمرة) | ٢١ |
| المجموع | ٧٠ (أو ٤٩ لمن غادر يوم ١٢) |
نصيحة: غسل الحصى قبل الرمي ليس مطلوبًا، ولم يُنقل عن النبي ﷺ أنه غسلها. اجمعها وارمِ بها كما هي. ولك أيضًا أن تجمع الحصى من منى إن شئت، فلا يُشترط جمعها من مزدلفة تحديدًا.
بعد الصلاة وجمع الحصى، يبقى لك ما تبقى من الليل. وقد اضطجع النبي ﷺ واستراح في مزدلفة حتى طلع الفجر (مسلم ١٢١٨). فافعل مثله إن كنت متعبًا، فأنت بحاجة إلى طاقتك لليوم الكبير الذي ينتظرك (العاشر). أما إن لم يغلبك النعاس، فاقضِ الوقت في العبادة:
صلِّ الفجر في مزدلفة مبكرًا، فور دخول وقتها. فهذه هي السنة. ولا تؤخّر الفجر.
بعد الفجر، توجّه إلى المشعر الحرام، أو استقبل القبلة من مكانك، وادعُ الله. واستمر في الدعاء حتى يُسفر الصبح جدًّا (قُبيل طلوع الشمس).
«...وصلّى الفجرَ حين تبيّن له الصبحُ بأذانٍ وإقامة، ثم ركب القصواءَ حتى أتى المشعرَ الحرام، فاستقبل القبلةَ، فدعاه وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس».
صحيح مسلم ١٢١٨ثم انطلق إلى منى قبل طلوع الشمس، اتباعًا لسنة النبي ﷺ. فإذا بلغت وادي مُحَسِّر فأسرع في المرور به، فقد أسرع النبي ﷺ في هذا الوادي (مسلم ١٢١٨).
ليس كل أحد يقوى على المبيت ليلة كاملة بمزدلفة. وقد رخّص النبي ﷺ رخصًا محددة:
حكم النزول بمزدلفة: المذاهب الأربعة كلها توجب قدرًا من الحضور بمزدلفة، لكنها تختلف في تحديده. الحنفية: الواجب هو الوقوف بمزدلفة ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس يوم العاشر، ولو لحظة، أما المبيت بها فسنة مؤكدة. المالكية: الواجب النزول بها بقدر حطّ الرحال، والمبيت بها الليل كله مستحب. الشافعية: يجب الحضور بمزدلفة لحظةً على الأقل بعد منتصف الليل، ولو مرورًا. الحنابلة: يجب البقاء بها إلى ما بعد منتصف الليل (ومن لم يصل إليها إلا بعد منتصف الليل كفاه الحضور). وترك القدر الواجب بلا عذر يوجب دمًا (ذبيحة جبرانًا) في المذاهب الأربعة، وكلها تجيز للضعفاء وكبار السن والنساء الدفع مبكرًا في أثناء الليل (ويحدّد الشافعية والحنابلة أوله بمنتصف الليل).
مزدلفة هي السكون بين عاصفتين: شدة عرفة الغامرة خلفك، وزحام يوم العاشر المحموم أمامك. تحت السماء المكشوفة، ومن حولك ملايين الأرواح، تنام على الأرض العارية كأفقر إنسان على وجه الأرض. لا فراش. لا وسادة. لا سقف. لا جدران. لا شيء إلا أنت، والأرض الصلبة، والنجوم فوقك، والله.
إن في الاضطجاع على الأرض، وليس بينك وبين السماء شيء، ما يبعث على تواضع عميق. إنها السماء نفسها التي رأى فيها إبراهيم عليه السلام النجوم والقمر والشمس تأفل، فتوجّه إلى الذي خلقها [الأنعام: ٧٥-٧٩]. والأرض نفسها التي ستنشق يومًا وتردّك إلى ربك. ويقول كثير من الحجاج إن هذه الليلة تحت السماء في مزدلفة، لا عرفة، ولا الطواف، ولا الجمرات، هي التي يشعرون فيها بحقيقة الحج أكثر من أي وقت آخر. حين تتلاشى الدنيا كلها، ولا يبقى إلا الروح وخالقها.
Health Minister Inspects Makkah Medical Facilities, Ensures Full Readiness for Hajj 1447 AH وكالة الأنباء...
From the Jersey Shore to Makkah: An Off-Season Guide to Planning Umrah and Hajj OCNJ Daily...
Malaysians advised to postpone umrah pilgrimage to Saudi Arabia amid security concerns The Straits Times...
The Saudi Ministry of Hajj and Umrah has confirmed that a full year, 365 days, must pass before a pilgrim can obtain a n...