التنقل السريع

مقدمة: لماذا تهمّنا هذه القصة؟

قبل أن نتعلّم أيّ شعيرة من شعائر الحج، لا بد أن نفهم أولًا القصة التي تقف وراءها. فكل عمل من أعمال الحج - كل شوط حول الكعبة، وكل مسير بين الصفا والمروة، وكل حصاة تُرمى عند الجمرات، وكل ذبيحة تُنحر - يعود إلى أسرة واحدة: أسرة إبراهيم عليه السلام. ومن دون معرفة قصتهم يبقى الحج سلسلة من الحركات، ومع معرفتها يصبح الحج من أعمق الرحلات الروحية وأقربها إلى النفس مما يمكن أن يخوضه إنسان.

ومناسك الحج ليست أمورًا اعتباطية، بل هي استحضارٌ حيّ لمواقف مضت. فحين تسعى بين الصفا والمروة، فإنك تسير على خُطا أمٍّ ملهوفة. وحين تذبح الذبيحة، تستحضر استعداد أبٍ للتخلي عن أحبّ ما لديه. وحين ترمي الجمرات، تردّ وساوس الشيطان نفسها التي حاول بها يومًا أن يصرف إبراهيم عن ربه. وحين تطوف بالكعبة، تدور حول البيت ذاته الذي بناه إبراهيم وابنه بأيديهما، حجرًا بعد حجر، ودعاءً بعد دعاء.

وقد أمر الله سبحانه أن يُؤذَّن بهذا الحج في الناس جميعًا:

وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ

سورة الحج، ٢٢:٢٧

لقد أُطلق ذلك النداء قبل آلاف السنين، وفي كل عام يُلبّيه الملايين، وأنت على وشك أن تكون واحدًا منهم. لكن دعنا أولًا نعود إلى الوراء، إلى حيث بدأ كل شيء.

أربع شعائر من شعائر الحج والمواقف التي تستحضرها من حياة أسرة إبراهيم: السعي يذكّر ببحث هاجر عن الماء، والذبح يذكّر باستعداد إبراهيم للتخلي عن أحبّ ما لديه، والجمرات تذكّر بردّه لوساوس الشيطان، والطواف يدور حول البيت الذي بناه هو وابنه.

إبراهيم عليه السلام - خليل الله

لكي نفهم الحج، لا بد أن نفهم أولًا الرجل الذي يقف في قلبه. فإبراهيم عليه السلام ليس نبيًّا فحسب، بل نال منزلةً لم يُعطَها أحد من البشر سوى النبي محمد ﷺ؛ فقد اتخذه الله خليلًا، فلُقّب بـخليل الله:

وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا

سورة النساء، ٤:١٢٥

وكلمة الخليل في العربية تحمل معنى أعمق من الصداقة؛ فهي مشتقة من الخُلّة، وهي محبة تخلّلت كل ذرّة في كيان صاحبها. وقد بيّن الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه الجليل مدارج السالكين أن الخُلّة أعلى درجات المحبة، محبةٌ كاملة لا تُبقي في القلب متسعًا لغير المحبوب. وهذه هي المنزلة التي بلغها إبراهيم عليه السلام عند ربه.

لكن هذه المنزلة لم تُمنح بلا ثمن، بل نالها عبر عمرٍ من الابتلاءات كانت كفيلة بأن تكسر من هم دونه.

تحطيم الأصنام

نشأ إبراهيم عليه السلام في قوم يعبدون الأصنام، وكان أبوه آزر نفسه يتخذ الأصنام آلهة (سورة الأنعام ٦:٧٤)، وكان - بحسب روايات في كتب التفسير - يصنعها. ومع ذلك رفضت فطرة إبراهيم منذ صغره عبادة أي شيء سوى الله. ويحكي القرآن استدلاله المنطقي الشهير: نظر إلى كوكب فقال: ﴿هَٰذَا رَبِّي﴾، فلما أفل قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾. ثم فعل مثل ذلك مع القمر والشمس، وفي كل مرة ينتهي إلى النتيجة نفسها: أن هذه المخلوقات لا يمكن أن تكون آلهة. ثم أعلن إسلامه لخالق السماوات والأرض (سورة الأنعام ٦:٧٦-٧٩).

ولم يكن رفضه للوثنية فكريًّا فحسب، بل كان عمليًّا. فحين خرج قومه إلى عيدٍ لهم، حطّم إبراهيم كل صنم في معبدهم ولم يُبقِ إلا كبيرها (سورة الأنبياء ٢١:٥٨؛ وتذكر الروايات في كتب التفسير أنه استعمل في ذلك فأسًا). فلما رجعوا غاضبين، قال:

﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾

سورة الأنبياء، ٢١:٦٣

لقد كشف سخف عبادة أشياء لا تملك لنفسها نفعًا ولا تنطق. فاشتدّ غضب قومه، ولما عجزوا عن الرد على حجته لجؤوا إلى العنف.

النار التي صارت بردًا وسلامًا

أوقدوا نارًا عظيمة، بلغ من عِظَمها - بحسب روايات أوردها ابن كثير في البداية والنهاية - أنهم لم يستطيعوا الاقتراب منها، فاستعملوا المنجنيق ليقذفوا إبراهيم فيها. ويزيد بعض القصّاص أن جبريل عليه السلام جاءه وهو يُقذف نحو اللهب فسأله إن كانت له حاجة، لكن هذا الحوار خبرٌ لا يصح إسناده، فلا يُعتمد عليه. أما الثابت فهو ما قاله إبراهيم؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان آخرَ قولِ إبراهيم حين أُلقي في النار: حسبيَ الله ونعم الوكيل» (صحيح البخاري ٤٥٦٤). وفي رواية أخرى عن ابن عباس جاءت الكلمات بلفظ:

حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ

وهي الكلمات نفسها التي قالها النبي محمد ﷺ وأصحابه حين قيل لهم إن جمعًا عظيمًا قد احتشد لقتالهم (سورة آل عمران ٣:١٧٣). فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾» (صحيح البخاري ٤٥٦٣).

ثم جاء أمر الله:

قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ

سورة الأنبياء، ٢١:٦٩

فأطاعت النار ربها، ولم تحرق إبراهيم، وخرج منها سالمًا.

مناظرة النمرود

ولم تقتصر شجاعة إبراهيم على مواجهة أصنام الحجارة؛ فقد وقف أمام أقوى حاكم في زمانه - وتسمّيه روايات المفسّرين النمرودَ ملكَ بابل - وناظره في وجود الله:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾

سورة البقرة، ٢:٢٥٨

أبو الأنبياء

إبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء. فمن ابنه إسحاق عليه السلام امتدت سلسلة النبوة في يعقوب ويوسف وموسى وداود وسليمان وعيسى عليهم السلام. ومن ابنه إسماعيل عليه السلام جاء خاتم الأنبياء وأعظمهم: محمد ﷺ. فكل نبي جاء بعد إبراهيم كان من ذريته، إذ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ (سورة العنكبوت ٢٩:٢٧). ويقول الله تعالى أيضًا:

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ... وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ...﴾

سورة الأنعام، ٦:٨٤-٨٥

هذا هو الرجل الذي ستسير على خُطاه في الحج: رجلٌ أُلقي في النار فلم يتزعزع، وناظر الطغاة فلم يتراجع، وأُمر بذبح ابنه فاستسلم بلا تردد. إنه خليل الله.

تأمّل روحي

كانت حياة إبراهيم كلها برهانًا على مبدأ واحد: الثقة المطلقة بالله، مهما كان الثمن. هجره أهله، ورفضه قومه، وأُلقي في النار، وفارق زوجته وطفله، وأُمر بذبح ابنه. وفي كل مرة كان جوابه واحدًا: التسليم. وهذا هو معنى كلمة «الإسلام» نفسها، وهذه هي الروح التي نُدعى إلى التحلّي بها حين نسير على خُطاه في الحج. فاسأل نفسك: ما ناري أنا؟ وما الشيء الذي أخشى أكثر من غيره أن أتخلى عنه؟ يعلّمنا إبراهيم أنك حين تتركه لله، فإن ما تناله عوضًا عنه يفوق كل ما كنت تتخيّل.

قاعة معبد قديم عند الفجر بعد تحطيم الأصنام: قواعد فارغة على طول الجدار، وقواعد مقلوبة وشظايا حجارة متناثرة على الأرض، وفأس ملقاة بينها، وضوء ينساب من نافذة عالية يظهر منها نجم وقمر يميلان إلى المغيب.

الرحلة إلى مكة

الوادي القاحل غير ذي الزرع حيث ترك إبراهيم هاجر وإسماعيل

مرّت سنوات بعد نجاة إبراهيم المعجزة من النار، وتزوّج هاجر، ورُزق منها بابنه إسماعيل عليه السلام بعد عقود من الشوق إلى الولد. لكن ما إن جاءت هذه النعمة حتى ابتلى الله إبراهيم بأمرٍ من أشدّ ما يمكن أن يتلقاه أبٌ وقعًا على قلبه.

أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يأخذ زوجته هاجر وابنهما الرضيع إسماعيل عليه السلام في رحلة. لا إلى مدينة، ولا إلى مكان فيه راحة، بل إلى وادٍ قاحل غير ذي زرع في صحراء جزيرة العرب، مكانٍ لا ماء فيه ولا نبات ولا أنيس ولا مأوى. المكان الذي سيصير يومًا ما مكة.

وقد روى الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهما، ترجمان القرآن، هذه القصة في رواية طويلة مشهورة حفظها صحيح البخاري، فلنتتبعها عن قرب:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

جاء بها إبراهيم [أي بأمّ إسماعيل] وبابنها إسماعيل وهي تُرضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دَوحةٍ فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جِرابًا فيه تمر، وسِقاءً فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقًا.

صحيح البخاري ٣٣٦٤

تخيّل هذا المشهد: أبٌ يترك زوجته وطفلها الرضيع في مكان قفر. لا بيت يؤويهم، ولا جيران يستغيثون بهم، ولا سوق يشترون منه طعامًا. ليس إلا جراب تمر، وسقاء ماء، وشمس الصحراء اللاهبة.

فتبعته هاجر، ونادته وهو يمضي مبتعدًا:

«يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنسٌ ولا شيء؟»

فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها.

فقالت له: «آللهُ الذي أمرك بهذا؟»

قال: «نعم»

قالت: «إذن لا يُضيّعنا»

صحيح البخاري ٣٣٦٤

سألته مرة بعد مرة وهو لا يلتفت؛ لا لأنه لم يكن يبالي، بل لعل ذلك لأن الالتفات إليهما لم يكن ليزيد الفراق إلا مشقة. لم يكن ذلك هيّنًا على إبراهيم؛ كان أبًا يترك أهله في صحراء. لكنه تلقّى أمرًا من الله، وكان ذلك عند خليل الله كافيًا.

ثم تأمّل جواب هاجر وانتبه إليه جيدًا، فهو من أعجب اللحظات في تاريخ البشرية كله. لم تقل: «إذن أرجو ألا يضيّعنا»، ولم تقل: «إذن لعله يعيننا»، بل قالت بيقين تام:

«إذن لا يُضيّعنا»

لا شك، ولا تردد، ولا شروط. إنه التوكّل الخالص الراسخ: الاعتماد على الله. وقد صدقت؛ فلم يضيّعهم الله، ولا يضيّع سبحانه أهله أبدًا.

فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثَّنيّة حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت [أي موضعه الذي سيُبنى فيه]، ثم دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه:

صحيح البخاري ٣٣٦٤
تأمّل روحي

جواب هاجر من أقوى أمثلة التوكّل في التاريخ الإسلامي كله. فهي لم تكتفِ بالرضا بحالها، بل أقرّت به عن يقين: «إذن لا يضيّعنا». لقد حوّلت لحظةً بدت كأنها تخلٍّ وخذلان إلى إعلانِ إيمان. ففكّر في الأوقات التي شعرت فيها أن الظروف قد تخلّت عنك، حين لم تفهم ما يجري، وبدا الطريق أمامك قاحلًا خاليًا. هل تستطيع أن تقول بيقين هاجر: «لا يضيّعنا»؟ سيطلب منك الحج ذلك؛ فالحرّ والزحام والإرهاق كلها دعوة إلى أن تتوكّل كما توكّلت هاجر.

وادٍ قاحل تغمره الشمس وتحيط به تلال من الغرانيت، وفيه شجرة واحدة في موضع زمزم، تحتها جراب من الجلد فيه تمر وسقاء صغير، وأثر طريق خافت يبتعد عبر ثنيّة بعيدة.

دعاء إبراهيم عليه السلام

شجرة وحيدة في سهل صحراوي قاحل تحت سماء صافية

بعد أن ترك هاجر وإسماعيل، ولما ابتعد إبراهيم حتى صار لا يرونه، توجّه إلى المكان الذي ستقوم فيه الكعبة يومًا ما، ورفع يديه، ودعا بدعاءٍ من أجمل الأدعية وأبعدها أثرًا مما سجّله القرآن:

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

سورة إبراهيم، ١٤:٣٧

تأمّل هذا الدعاء جيدًا. لم يسأل إبراهيم ربه لأهله مالًا ولا راحة ولا نجاحًا دنيويًّا، بل كان همّه الأول والأساس أن يقيموا الصلاة: ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. وكل ما سوى ذلك - من محبة الناس لهم، ورزقهم من الثمرات - جاء تبعًا. وهذا يخبرنا بكل شيء عن أولويات إبراهيم: العبادة أولًا، وكل ما عداها يتبعها.

وانظر كيف استجاب الله هذا الدعاء. سأل إبراهيم أن تهوي القلوب إلى هذا الوادي القاحل، واليوم صارت مكة أحبّ بقاع الأرض إلى أكثر من ملياري مسلم. يبكي الملايين شوقًا لمجرد رؤية الكعبة، ويدّخر أناسٌ طوال أعمارهم من أجل فرصة لزيارتها. وما زالت القلوب تهوي إلى هذا المكان منذ أكثر من أربعة آلاف عام. إن دعاء إبراهيم لا يزال يُستجاب كل يوم.

ومضى إبراهيم في دعائه، فدعا لنفسه ولذريته:

رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ

سورة إبراهيم، ١٤:٤٠

حتى إبراهيم - خليل الله، والناجي من النار، وأبو الأنبياء - دعا الله أن يجعله مقيمًا للصلاة، ولم يعدّ عبادته أمرًا مضمونًا. فإن كان إبراهيم قد سأل الله العون على صلاته، فكم نحن أحوج إلى ذلك؟

وفي دعاء آخر سأل إبراهيم أمرًا أوسع:

رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ

سورة إبراهيم، ١٤:٣٥

وفي سورة البقرة:

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ

سورة البقرة، ٢:١٢٦

وقد استجاب الله دعاءه لهذا البلد. فصارت مكة آمنة، إذ جُعلت حرمًا لا يُسفك فيه دم ولا يُقطع فيه شجر. ورُزقت الثمرات وأسباب العيش وهي في قلب صحراء. وما زالت القلوب تهوي إليها.

تأمّل روحي

تعلّمنا أدعية إبراهيم ما ينبغي أن نقدّمه حين نسأل الله. لم يبدأ بسؤال الراحة، بل بسؤال الصلاة. ولم يسأل أن يُجنَّب الفقر، بل أن يُجنَّب الشرك. فحين تقف في عرفات في حجك وترفع يديك، ماذا ستسأل؟ دع مثال إبراهيم يُعيد ترتيب أولوياتك. فأعظم ما تسأله ليس المال ولا الصحة، بل أن تثبت على التوحيد، وأن تقيم صلاتك، وأن تُقبل عبادتك.

دعاء إبراهيم من سورة إبراهيم ١٤:٣٧ بالعربية مع معناه، وكيف استجاب الله ما سأله: قلوب تهوي إلى مكة، وثمرات ورزق في الصحراء، وحرم آمن لا يُسفك فيه دم.

البحث عن الماء - الصفا والمروة

جبلا الصفا والمروة

نعود الآن إلى هاجر والرضيع إسماعيل، وحيدين في الصحراء. وتتمة رواية ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح البخاري تنقل إلينا الخبر كاملًا حيًّا بما حدث بعد ذلك:

وجعلت أمّ إسماعيل تُرضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نَفِد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوّى.

صحيح البخاري ٣٣٦٤

تصوّر المشهد: أمٌّ ترى رضيعها يتلوّى من العطش. لا هاتف تستنجد به، ولا طريق تسلكه، ولا أحد على امتداد الأميال. نفد التمر، ونفد الماء، والطفل يوشك أن يهلك. فماذا تفعل؟

تنهض وتجري.

فانطلقت كراهيةَ أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقربَ جبلٍ في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم ترَ أحدًا.

فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف دِرعها، ثم سعت سعيَ الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا، فلم ترَ أحدًا.

صحيح البخاري ٣٣٦٤

جرت من الصفا إلى المروة، ثم من المروة عائدة إلى الصفا، ثم من الصفا إلى المروة مرة أخرى. وفي كل مرة تصعد التلّ وتمسح الأفق بعينيها في لهفة، بحثًا عن أي أثر لنجدة: إنسان، أو قافلة، أو أي شيء. وفي كل مرة لا ترى إلا صحراء خالية.

ويصف الحديث أنها حين كانت في الوادي بين الجبلين - وهو المنخفض الذي لم تكن ترى فيه طفلها، كما يبيّن الشرّاح - سعت. لم تمشِ، بل جرت. رفعت طرف ثوبها لتعدو مسرعة. أمٌّ وحيدة في صحراء، تجري من أجل حياة طفلها.

ففعلت ذلك سبع مرات.

قال النبي ﷺ: «فذلك سعيُ الناس بينهما».

صحيح البخاري ٣٣٦٤

الصلة بالمناسك: السعي - وهو المشي بين الصفا والمروة الذي يؤديه كل حاج ومعتمر - استحضارٌ مباشر لبحث هاجر الملهوف عن الماء. والمسافة بين الصفا والمروة نحو ٣٩٥ مترًا، فيبلغ مجموع الأشواط السبعة نحو ٢٫٨ كيلومتر. وإلى اليوم يوجد في الوسط جزء مُعلَّم (بين الضوءين الأخضرين) يُستحب للرجال أن يُسرعوا فيه، وهو بطن الوادي الذي جرت فيه هاجر، المنخفض الذي لم تكن ترى فيه رضيعها إسماعيل، فعدت فيه وهي في كربها.

تأمّل روحي

لم تجلس هاجر بجانب رضيعها المشرف على الهلاك تكتفي بالدعاء، بل جمعت بين التوكل على الله والعمل. جرت، سبع مرات، بين جبلين، وطفلها يوشك أن يهلك. هذه هي السنّة الحقّة في التوكل: أن تعقل ناقتك ثم تتوكل على الله. قال النبي ﷺ: «اعقلها وتوكّل» (سنن الترمذي ٢٥١٧، وحسّنه الألباني). وهاجر هي التجسيد الحيّ لهذا المبدأ.

وتأمّل هذا: امرأة وحيدة في صحراء هي أصل شعيرة من الشعائر الأساسية في الحج والعمرة. لا ملك، ولا قائد جيش، ولا عالم، بل أمّ. وكل حاج - رجلًا كان أو امرأة، غنيًّا أو فقيرًا، ملكًا أو من عامة الناس - يسير على خُطاها. لقد أكرم الله سعيها حتى جعله عبادة باقية. فماذا يخبرك هذا عن قدر معاناتك وجهدك، وسعيك المضني بين «جبال» حياتك، عند الله؟

تلّا الصفا والمروة المنخفضان عند الغروب، وبينهما سبعة مسارات ذهبية ذهابًا وإيابًا، والجزء المنخفض من الوادي في الوسط، حيث جرت هاجر، مُعلَّم باللون الأخضر.

معجزة زمزم

معجزة ماء زمزم

بعد شوطها السابع وقفت هاجر على المروة منهكة عطشى، ورضيعها على شفا الموت. ثم...

فلما أشرفت على المروة [في المرة الأخيرة] سمعت صوتًا، فقالت: صَهٍ - تريد نفسها - ثم تسمّعت فسمعت أيضًا، فقالت: «قد أسمعتَ إن كان عندك غواث».

فإذا هي بالمَلَك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال: بجناحه - حتى ظهر الماء.

صحيح البخاري ٣٣٦٤

لقد كان المَلَك جبريل عليه السلام، كما سمّته رواية أخرى (صحيح البخاري ٣٣٦٥). ضرب الأرض بعقبه - أو قال الراوي: بجناحه - فتفجّر الماء من الأرض: ماءٌ عذب صافٍ، في قلب صحراء قاحلة ما كان للماء أن يوجد فيها.

ويكشف تصرّف هاجر عن شخصيتها الفذّة:

فجعلت تُحوِّضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف.

قال النبي ﷺ: «يرحم الله أمّ إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينًا مَعينًا».

صحيح البخاري ٣٣٦٤

وحتى في لحظة الفرج المعجز هذه تصرّفت هاجر بحكمة عملية؛ فلم تقف متعجبة، بل بادرت فورًا إلى حبس الماء وحفظه لتضمن بقاءه. وقد ذكر النبي ﷺ ذلك بمحبة، مبيّنًا أن سعيها في حبس الماء هو السبب في أن زمزم بئرٌ، وليست عينًا جارية على وجه الأرض.

فشربت وأرضعت ولدها.

صحيح البخاري ٣٣٦٤

كلمات بسيطة، لكن تخيّل تلك اللحظة: بعد سبعة أشواط بين الجبلين، وبعد أن رأت رضيعها يتلوّى من العطش، وبعد أن بلغت حافة اليأس، تشرب، وتُرضع طفلها، فيحييان.

الماء الذي لم ينقطع

ذلك الماء ما زال يتدفق. فبعد أكثر من أربعة آلاف عام ما زالت زمزم تجود بمائها. وحتى حين ردمت قبيلة جُرهم البئر ونُسي موضعها أجيالًا، عُثر عليها من جديد حين حفرها عبد المطلب جدّ النبي ﷺ (سيرة ابن هشام). وفي قلب واحدة من أشد صحاري الأرض جفافًا، وفي مدينة ليس فيها أنهار ولا بحيرات طبيعية، تمدّ هذه البئر اليوم الملايين بالماء كل عام.

وهي عند المؤمن معجزة: هبة من الله لأمٍّ أبت أن تستسلم.

وقد تحدّث النبي ﷺ عن خصوصية ماء زمزم:

«ماءُ زمزمَ لِما شُرِبَ له»

سنن ابن ماجه ٣٠٦٢ (وصحّحه الألباني)

وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أنه جرّب هو وغيره الاستشفاء بماء زمزم فرأوا أمورًا عجيبة، وأنه استشفى به من عدة أمراض فبرئ بإذن الله. وقد شربه العلماء بنية الشفاء، وبنية طلب العلم، وبنية مغفرة الذنوب. وفي حجته شرب النبي ﷺ من زمزم (صحيح مسلم ١٢١٨)، وفي رواية أخرى أنه صبّ منه على رأسه أيضًا (مسند أحمد ١٥٢٤٣).

تأمّل روحي

جاء عون الله بعد أن استنفدت هاجر جهدها البشري؛ لا في الشوط الأول بين الجبلين، ولا في الثاني، ولا الثالث، ولا الرابع، ولا الخامس، ولا السادس، بل بعد السابع. وفي هذا درس عميق في المداومة على الدعاء والعمل. كم منا يدعو مرة أو مرتين أو ثلاثًا ثم يترك؟ وكم منا يحاول بضع مرات ثم يظن أن الله لا يستجيب له؟ تعلّمنا قصة هاجر: واصل السعي، وواصل السؤال، وواصل المحاولة. قد يأتي عون الله في اللحظة التي لا تتوقعها. وقد قال النبي ﷺ: «يُستجاب لأحدكم ما لم يَعجَل، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي» (صحيح البخاري ٦٣٤٠). وبيّن ﷺ أن كل دعاء ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم يُجاب بإحدى ثلاث: أن يُعطى الداعي ما سأل، أو يُصرف عنه من السوء مثلها، أو يُدّخر له أجرها في الآخرة (مسند أحمد ١١١٣٣). وأما هاجر فقد جاءتها الإجابة زمزمَ، نبعًا لا ينضب.

في الوادي ليلًا يسقط عمود من الضوء الهادئ على نبع ماء صافٍ يتدفق داخل حلقة منخفضة من الرمل والحجارة، وبجانبه سقاء من الجلد.

قبيلة جُرهم - نشأة مكة

وادي مكة في الصباح: نبع زمزم تحيط به حلقة منخفضة من الحجارة، ومسالك تؤدي إليه عبر الرمال، وفي البعيد مجموعة من خيام البادية الداكنة لقبيلة جُرهم.

لم ينقذ ماء زمزم هاجر وإسماعيل فحسب، بل حوّل واديهما القاحل إلى موضع استقرار وعمران. وتمضي الرواية فتقول:

فقال لها المَلَك: «لا تخافوا الضَّيعة، فإن ها هنا بيتَ الله، يبني هذا الغلامُ وأبوه، وإن الله لا يُضيع أهله».

صحيح البخاري ٣٣٦٤

لاحظ كيف جاء كلام المَلَك صدىً لقول هاجر نفسها: «لا يضيّعنا». لقد صدّق الله ثقتها على لسان ملَكه.

...حتى مرّت بهم رُفقة من جُرهم... فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: «إن هذا الطائر ليدور على ماء...»، فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء.

فأقبلوا، قال: وأمّ إسماعيل عند الماء، فقالوا: «أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟» فقالت: «نعم، ولكن لا حقّ لكم في الماء». قالوا: «نعم».

صحيح البخاري ٣٣٦٤

وهنا تتجلى حكمة هاجر. كانت امرأة وحيدة معها رضيع، وجاءت قبيلة من البادية تريد النزول في أرضها. كان يمكن أن يُغلب أمرها، لكنها فاوضتهم بدلًا من ذلك؛ فأذنت لهم بالإقامة واحتفظت بملكية الماء، أثمن ما في الصحراء. كانت كريمة، لكنها لم تكن غافلة.

فاستقرّت جُرهم حول زمزم، وجاءت أسر أخرى، ونشأ مجتمع، وبدأت طرق التجارة تمرّ بالمكان. وما كان يومًا واديًا قاحلًا لا حياة فيه صار شيئًا فشيئًا بلدةً، ثم صار في النهاية مدينة مكة، التي قال فيها النبي ﷺ: «واللهِ إنكِ لخيرُ أرضِ الله» (سنن الترمذي ٣٩٢٥، وصحّحه الألباني).

وشبّ الغلام وتعلّم العربية منهم، وأنفَسَهم وأعجبهم حين شبّ، فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم.

صحيح البخاري ٣٣٦٤

وهكذا نشأ إسماعيل عليه السلام في مكة، وتزوّج من جُرهم، وصار جزءًا من المجتمع الذي أوجده إيمان أمّه ومثابرتها. وفي تلك الفترة توفيت هاجر. وتعلّم إسماعيل منهم اللغة العربية، اللغة التي سينزل بها القرآن يومًا ما. كل ذلك من إيمان امرأة واحدة في صحراء.

تأمّل روحي

من وادٍ قاحل لا حياة فيه، أنشأ الله أهم مدينة في التاريخ الروحي للبشرية. ومن إيمان امرأة واحدة نشأت حضارة بأكملها. وكان الطائر الذي يحوم فوق زمزم هو العلامة التي هدت جُرهم إلى الماء. ففكّر في «الأودية القاحلة» في حياتك: المواقف التي تبدو بلا أمل، والأماكن التي لا يبدو أن شيئًا ينبت فيها. فقصة هاجر تذكّرنا بأن الله قادر على أن يُخرج الحياة من الموات، والأُنس من الوحدة، والأنهار من الصخر.

زيارات إبراهيم - عتبة الباب

لم يترك إبراهيم عليه السلام أهله تركًا دائمًا، بل عاد إلى مكة لزيارتهم، وإن كانت السنون قد مضت. وتسجّل الرواية في صحيح البخاري زيارتين لافتتين تكشفان عن حكمة إبراهيم أبًا، وعن درس عميق في الزواج.

الزيارة الأولى

فجاء إبراهيم بعدما تزوّج إسماعيل... فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: «خرج يبتغي لنا».

ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: «نحن بِشَرٍّ، نحن في ضيق وشدة»، فشكت إليه.

قال: «فإذا جاء زوجكِ فاقرئي عليه السلام، وقولي له يغيّر عتبة بابه».

صحيح البخاري ٣٣٦٤

فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا، فقال: «هل جاءكم من أحد؟» قالت: «نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنّا في جهد وشدة». قال: «فهل أوصاكِ بشيء؟» قالت: «نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غيّر عتبة بابك».

قال إسماعيل: «ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقكِ، الحقي بأهلكِ».

فهم إسماعيل الكناية على الفور، فطلّقها وتزوّج امرأة أخرى من جُرهم.

الزيارة الثانية

ثم أتاهم [إبراهيم] بعدُ فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت: «خرج يبتغي لنا».

قال: «كيف أنتم؟» وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: «نحن بخير وسَعة»، وأثنت على الله.

فقال: «ما طعامكم؟» قالت: «اللحم». قال: «فما شرابكم؟» قالت: «الماء».

قال: «اللهم بارك لهم في اللحم والماء».

صحيح البخاري ٣٣٦٤

وقد بيّن النبي ﷺ أن لدعاء إبراهيم بالبركة في اللحم والماء شأنًا، إذ لم يكن بمكة حينئذٍ حَبّ؛ قال النبي ﷺ: «ولم يكن لهم يومئذٍ حَبّ، ولو كان لهم دعا لهم فيه» (صحيح البخاري ٣٣٦٤).

ثم قال إبراهيم للزوجة الثانية: «فإذا جاء زوجكِ فاقرئي عليه السلام، ومُريه يُثبت عتبة بابه».

فلما رجع إسماعيل وسمع ذلك قال: «ذاك أبي، وأنتِ العتبة، أمرني أن أُمسككِ».

تأمّل روحي

إن «عتبة الباب» كناية بديعة؛ فالزوج أو الزوجة عتبة البيت، يحدّد الروح التي تسود الأسرة كلها. كان إبراهيم عليه السلام يعلّم ابنه أن الشكر والقناعة هما أساس البيت المبارك. فالزوجة الأولى شكت الضيق والشدة، والزوجة الثانية حمدت الله وليس عندها إلا اللحم والماء. لم يكن الفرق في حالهما، بل في قلبيهما.

وقد ضُمّن هذا الدرس قصة الحج لحكمة. فالبيت القائم على الشكر يستجلب بركات الله، والبيت القائم على الشكوى يطردها. لم يبنِ إبراهيم الكعبة فحسب، بل علّم ابنه كيف يبني بيتًا.

الرؤيا والتضحية العظمى

وقبل ذلك - حين كان إسماعيل عليه السلام غلامًا قد بلغ أن يمشي مع أبيه ويسعى معه (سورة الصافات ٣٧:١٠٢)، قويًّا صالحًا مخلصًا لله - واجه إبراهيم عليه السلام أشدّ ابتلاء يمكن أن يواجهه والد.

رأى إبراهيم عليه السلام رؤيا. ورؤى الأنبياء ليست مجرد أحلام، بل هي وحي من الله. قال عُبيد بن عُمير رحمه الله، وهو من علماء السلف المتقدمين: «رؤيا الأنبياء وحي»، ثم قرأ قول إبراهيم: ﴿إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (سورة الصافات ٣٧:١٠٢؛ صحيح البخاري ١٣٨). وبيّن ابن حجر العسقلاني رحمه الله في فتح الباري أن الرؤيا لو لم تكن وحيًا لما جاز لإبراهيم أن يُقدِم على ذبح ولده. وقالت عائشة رضي الله عنها: «أوّلُ ما بُدئ به رسولُ الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم» (صحيح البخاري ٣).

رأى إبراهيم في منامه أنه يذبح ابنه.

تأمّل هذا: بعد عقود من انتظار الولد، وبعد أن تركه رضيعًا في الصحراء، ها هو الآن - وقد صار الغلام يمشي إلى جانبه - يُؤمر بأن يذبحه. بيديه.

ولم يكتم إبراهيم ذلك، بل ذهب إلى ابنه وكلّمه صراحة:

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ

سورة الصافات، ٣٧:١٠٢

تأمّل الألفاظ جيدًا. قال إبراهيم: ﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾. لم يكن يستأذنه، ولا يعرض عليه أن يختار، بل كان يُطلعه على الأمر الإلهي ليواجهاه معًا. وجاء جواب إسماعيل مذهلًا في نضجه وإيمانه وتسليمه:

﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾

ابنٌ يقول لأبيه أن يمضي في الأمر بذبحه. لا مقاومة، ولا فرار، ولا مساومة، بل تسليم. وحتى في هذه اللحظة كان في إسماعيل من التواضع ما جعله يقول ﴿إِن شَاءَ اللَّهُ﴾، لأنه لم يعدّ صبره أمرًا مضمونًا؛ فقد كان يعلم أن الله وحده هو الذي يمنحه القوة على تحمّل ما هو آتٍ.

فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴿١٠٣﴾ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿١٠٤﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٠٥﴾ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴿١٠٦﴾ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴿١٠٧﴾

سورة الصافات، ٣٧:١٠٣-١٠٧

انتبه إلى كلمة ﴿أَسْلَمَا﴾: «استسلما كلاهما». ليس إبراهيم وحده، بل كلاهما، الأب والابن. وهذا جوهر كلمة الإسلام: الاستسلام لمشيئة الله. وهو الدين الذي عاش عليه إبراهيم حياته كلها: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة البقرة ٢:١٣١). وفي هذه اللحظة عاش الأب والابن معناه معًا.

أضجع إبراهيم إسماعيل على وجهه: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أي صرعه على جبينه. ويذكر العلماء أن ذلك كان لئلا ينظر إبراهيم إلى وجه ابنه وهو يُمرّ السكين، خشية أن تُضعف عاطفةُ الأبوة عزيمته. فحتى في الطاعة كان القلب البشري يتفطّر.

ثم في اللحظة الأخيرة ناداه الله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾. لقد تمّ الابتلاء، وأثبت إبراهيم أنه لا شيء في الخلق - ولا حتى ولده الحبيب - إلا وهو مستعد أن يبذله لله. ثم إن الله برحمته التي وسعت كل شيء فدى إسماعيل بذبح عظيم: كبشٍ ذُبح مكان إسماعيل. وبحسب روايات عن ابن عباس رضي الله عنهما في كتب التفسير، كان ذلك الكبش من الجنة.

الصلة بالمناسك: هذا هو أصل القُربان (الأضحية)، الذبيحة التي يذبحها المسلمون في أنحاء العالم في عيد الأضحى، ويُستحضر كذلك في الهدي الذي يذبحه في الحج المتمتعُ والقارن. فحين تذبح ذبيحتك فإنك تستحضر اللحظة التي نجّى الله فيها إسماعيل وتقبّل من إبراهيم استعداده. ولم تكن الذبيحة يومًا من أجل الدم أو اللحم؛ يقول الله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ (سورة الحج ٢٢:٣٧). إنما المقصود ما أنت مستعد أن تبذله في سبيل ربك.

تأمّل روحي

لم تكن التضحية يومًا من أجل الذبيحة، بل من أجل استعداد إبراهيم للتخلي عن أحبّ ما لديه في سبيل الله. لم يُرِد الله في النهاية روح إسماعيل، بل أراد من إبراهيم الاستعداد. كان الابتلاء للقلب لا للسكين.

والحج يطرح على كل حاج السؤال نفسه الذي طُرح على إبراهيم: ما الذي أنت مستعد أن تضحّي به؟ أنانيتك؟ راحتك؟ تعلّقك بالدنيا؟ أحقادك؟ ذنوبك؟ حين تقف في عرفات وقد تجرّدت من زينة الدنيا - والرجال لا يلبسون إلا إزارًا ورداءً أبيضين يشبهان الكفن - فأنت مدعوّ إلى أن تتخلّى، وأن تستسلم، وأن تقول كما قال إبراهيم وإسماعيل: أسلمنا.

ما «إسماعيلك» أنت؟ ما الشيء الذي تتشبّث به حتى صار يزاحم محبتك لله؟ ذلك ما يطلب منك الحج أن تكون مستعدًّا للتخلي عنه في سبيله.

وادي منى عند الفجر، خالٍ ساكن بين تلال داكنة، والضوء ينسكب من الأعلى، وفي السماء الكلمات العربية من سورة الصافات ٣٧:١٠٣: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾.

رمي الشيطان

الجمرات التي يرميها الحجاج رجمًا للشيطان

وحين مضى إبراهيم عليه السلام بإسماعيل لينفّذ أمر الله، لم يمضيا في طريقهما دون عائق؛ فقد عرض الشيطان - إبليس نفسه - لإبراهيم ليصرفه عن طاعة الله. وهذا مرويّ عن ابن عباس رضي الله عنهما - في مسند أحمد، وعند ابن خزيمة والحاكم والبيهقي - وتختلف رواياته في بعض التفاصيل.

فحين خرج إبراهيم من منى متوجهًا إلى موضع الذبح، عرض له الشيطان عند الموضع المعروف اليوم بـجمرة العقبة (الجمرة الكبرى)، وحاول أن يغويه، وأن يملأ قلبه شكًّا، وأن يحمله على عصيان أمر الله. وكان معه جبريل عليه السلام الذي جاء به إلى هناك، فرمى إبراهيم الشيطان بسبع حصيات، فساخ في الأرض.

ومضى إبراهيم في طريقه، فعرض له الشيطان مرة أخرى عند الموضع المعروف اليوم بـالجمرة الوسطى، فوسوس له من جديد، فرماه إبراهيم مرة أخرى بسبع حصيات، فساخ الشيطان في الأرض مرة ثانية.

ومضى إبراهيم، فعرض له الشيطان مرة ثالثة عند الموضع المعروف اليوم بـالجمرة الصغرى، فرماه إبراهيم للمرة الثالثة بسبع حصيات، وهُزم الشيطان للمرة الثالثة.

الصلة بالمناسك: صارت هذه المواضع الثلاثة الجمرات الثلاث التي يرميها الحجاج في أيام الحج. فحين ترمي حصياتك على الجمرات في منى - وهي اليوم جدران طويلة داخل جسر متعدد الطوابق - فإنك تستحضر ردّ إبراهيم للشيطان، وكل حصاة إعلانٌ تقول به: أختارُ اللهَ عليك. ففي اليوم العاشر من ذي الحجة يرمي الحجاج جمرة العقبة وحدها بسبع حصيات، كما فعل النبي ﷺ (صحيح مسلم ١٢١٨). وفي الحادي عشر والثاني عشر (والثالث عشر لمن تأخّر) يرمون الجمرات الثلاث كلها - الصغرى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة - بسبع حصيات عند كل واحدة (صحيح البخاري ١٧٥١).

وتزيد بعض الروايات في كتب التفسير والتاريخ - وقد أخرجها الطبري، ومرجعها إلى كعب الأحبار، فهي من الإسرائيليات (الأخبار المأخوذة عن أهل الكتاب) - أن الشيطان عرض كذلك لهاجر ولإسماعيل عليه السلام، يحاول أن يصرف كلًّا منهما عن قبول قضاء الله، فردّاه كلاهما. لقد اجتمعت الأسرة كلها على عصيان إبليس والاستسلام لله.

تأمّل روحي

ليس الرمي مجرد قذف حصيات على الجمرات، بل هو إعلان حرب على نفسك الأمّارة ووساوس الشيطان. وكل حصاة تقول: «أرفضك، وأختار الله».

تأمّل خطة الشيطان مع إبراهيم: لم يعرض له مرة واحدة ثم ييأس، بل عرض له ثلاث مرات. وهكذا تعمل الغواية: مُلحّة، تعود مرة بعد مرة، وتأتي من مداخل مختلفة. والدرس أن مقاومة الشيطان ليست موقفًا يقع مرة واحدة، بل مجاهدة مستمرة؛ فعليك أن ترميه مرة بعد مرة بعد مرة.

ما الغوايات في حياتك التي تحتاج إلى أن تُرمى؟ وما الوساوس التي تعود إليك المرة بعد المرة؟ وما الشكوك التي تطفو من جديد؟ تعلّمك الجمرات أن في يدك سلاحًا: الرفض الحازم المسنود بالإيمان. فالتقط حصياتك وارمِ.

بناء الكعبة - بيت الله

جدار من حجارة خشنة مرصوفة باليد، يذكّر بالحجارة التي رُفعت بها الكعبة

بعد كل هذه الابتلاءات - النار، والفراق، والصحراء، والذبح، ومواجهة الشيطان - جاء الوقت لتتويج حياة إبراهيم بأعظم إنجازاتها. فقد أمره الله أن يبني بيتًا للعبادة، وليس أيّ بيت، بل أوّل بيت للعبادة وُضع للناس على وجه الأرض:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ

سورة آل عمران، ٣:٩٦

وقد بوّأ الله لإبراهيم مكان البيت، أي أراه موضعه (سورة الحج ٢٢:٢٦). وتذكر بعض الروايات في كتب التفسير أن الله أرسل ريحًا كشفت المكان، أو أن سحابة أظلّت الموضع بعينه، فدلّت إبراهيم على مكان البناء. وقال إبراهيم لابنه: «يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر»، فقال إسماعيل عليه السلام: «فاصنع ما أمرك ربك»، قال: «وتُعينني؟» قال: «وأُعينك»، قال: «فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتًا» (صحيح البخاري ٣٣٦٤).

وهكذا بدأ الأب والابن يبنيان. معًا.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر [مقام إبراهيم] فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان:»

صحيح البخاري ٣٣٦٤

رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

سورة البقرة، ٢:١٢٧

ومع كل حجر يضعانه كانا يدعوان بهذا الدعاء. لم يكن دعاءً بالشهرة، ولا ببقاء الذكر، بل دعاءً بـالقبول: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾. خليل الله، وأبو الأنبياء، والناجي من النار، يخشى ألا تُقبل عبادته. وهذا جوهر الإخلاص والخوف من الله المقرون بتعظيمه.

ومضى دعاؤهما:

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

سورة البقرة، ٢:١٢٨

ثم دعوا بدعاءٍ غيّرت إجابته مجرى تاريخ البشرية إلى الأبد:

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

سورة البقرة، ٢:١٢٩

وهذا الدعاء - الذي دُعي به قبل مولده بآلاف السنين - استُجيب ببعثة النبي محمد ﷺ. وقد قال النبي ﷺ نفسه عن أول أمره: «دعوةُ أبي إبراهيم» (مسند أحمد ١٧١٦٣). فكلما صلّيت على النبي ﷺ فإنك تشهد إجابة دعاءٍ دعا به إبراهيم وهو يضع أحجار الكعبة.

مقام إبراهيم - محفوظ إلى يومنا هذا

مقصورة مقام إبراهيم قرب الكعبة ليلًا: قفص ذهبي مشبّك تعلوه قبة مذهّبة وهلال، على قاعدة حجرية سوداء، والحجر ظاهر بداخله تحت غطاء من الكريستال، ومنظر قريب للحجر في غلافه الذهبي يُظهر تجويفَي أثر القدمين.
منظر قريب لحجر مقام إبراهيم داخل مقصورته، يُظهر تجويفَي أثر القدمين

ولما ارتفعت جدران الكعبة احتاج إبراهيم إلى شيء يقف عليه، فجاءه إسماعيل عليه السلام بحجر كبير، فقام عليه إبراهيم وهو يواصل البناء. وبإذن الله تركت قدماه أثرهما في الحجر، وهو أثر كان العرب يعرفونه حتى قبل الإسلام، كما يذكر ابن كثير في تفسير الآية ١٢٥ من سورة البقرة.

وقال سعيد بن جبير، تلميذ ابن عباس، في تفسير الآية ما معناه: إن الحجر هو مقام إبراهيم نبيّ الله، جعله الله رحمة، فكان يقوم عليه وإسماعيل يناوله الحجارة. وقال أنس بن مالك رضي الله عنه ما معناه: إنه رأى المقام وفيه أثر أصابع قدميه وأخمصهما، غير أن مسح الناس بأيديهم أذهبه. (نقلهما ابن كثير كليهما في تفسير سورة البقرة، الآية ١٢٥.)

وهذا الحجر - مقام إبراهيم - محفوظ إلى يومنا هذا في غلاف من الزجاج والذهب قرب الكعبة، وما زال الحجاج يرون فيه أثر قدمي إبراهيم. وقد أمر الله في القرآن:

وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى

سورة البقرة، ٢:١٢٥

ولهذا يصلّي الحجاج بعد إتمام الطواف ركعتين خلف مقام إبراهيم حيث تيسّر لهم ذلك، كما فعل النبي ﷺ (صحيح البخاري ١٦٢٧). فأنت تصلي خلف الحجر ذاته الذي وقف عليه إبراهيم يبني بيت الله حجرًا بعد حجر، ويدعو مع كل نفَس.

تأمّل روحي

أبٌ وابنه يبنيان بيتًا لله، ويدعوان مع كل حجر يضعانه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾. هذه هي روح العبادة كلها: الإخلاص مقرونًا بالخوف من ألا تُقبل. لقد خشي نبيٌّ من أعظم الأنبياء ألا يُقبل عمله، ولم يكن خليل الله نفسه جازمًا بأن أعماله ستُقبل. فكم ينبغي لنا نحن أن نخشى؟ وكم ينبغي لنا أن نتضرّع؟

ومع ذلك ففي هذا رجاء أيضًا. سأل إبراهيم فاستجاب الله. سأل رسولًا من ذريته فبعث الله أعظم إنسان عرفته الدنيا. وسأل أن تهوي القلوب إلى واديه القاحل، فها هي قلوب ملياري إنسان تحنّ إليه اليوم. والدرس: لا تتوقف عن السؤال أبدًا، ولا تظنّ أبدًا أنك لست أهلًا لأن تسأل، ولا تستهن أبدًا بما يصنعه الله بدعاءٍ صادق.

جدران الكعبة ترتفع مداميك من الحجارة المربّعة في الضوء الذهبي قبيل الغروب في وادي مكة، وحجارة مجموعة للمداميك التالية، وحجر مقام إبراهيم عند أسفل الجدار، وفي السماء الكلمات العربية من سورة البقرة ٢:١٢٧: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.

النداء بالحج - وإجابتك

اكتملت الكعبة، وقام أول بيت للعبادة على الأرض في وادي مكة، بنته يدا نبيّ وابنه، وقدّسته دعواتهما. ثم جاء الأمر الذي سيتردد صداه عبر الزمان كله:

وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ

سورة الحج، ٢٢:٢٧

وبحسب روايات عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من السلف، أوردها ابن كثير في تفسير هذه الآية، قال إبراهيم عليه السلام ما معناه: يا ربّ، كيف أبلّغ الناس وصوتي لا يبلغهم؟ فقيل له ما معناه: نادِ، وعلينا البلاغ.

فقام إبراهيم على صخرته - قال بعض العلماء إنها مقام إبراهيم، وقال آخرون إنها جبل أبي قُبيس - ونادى بما معناه:

يا أيها الناس، كُتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق، فحُجّوا.

وقد أورد المفسّر الكبير ابن كثير رحمه الله روايات عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما من السلف أن صوت إبراهيم بلغ حتى من كانوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأن كل نفس قُدّر لها أن تحج إلى يوم القيامة سمعت ذلك النداء وأجابته. ويُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا أن من أجاب مرة يحجّ مرة، ومن أجاب مرتين يحجّ مرتين.

وهذا يعني أنك حين تردّد التلبية -

لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ

- فأنت لا تردّد مجرد كلمات؛ بل أنت، كما تصف هذه الروايات، تجيب نداءً بلغ روحك قبل أن تولد. ومعنى «لبيك»: أنا مقيم على طاعتك، مجيبٌ لك إجابة بعد إجابة. إنها ردّ وجواب: نادى إبراهيم، وأنت تُجيب.

تأمّل روحي

إنك لا تذهب إلى الحج مصادفة؛ لقد دُعيت إليه. فقد روى السلف أن النفوس التي كُتب لها الحج سمعت صوت إبراهيم وأجابت. وتلبيتك «لبيك اللهم لبيك» ليست كلامًا جديدًا، بل هي صدى تلك الإجابة الأولى. وكل حاج مشى يومًا نحو الكعبة كان يجيب النداء نفسه. فأنت حلقة في سلسلة لم تنقطع تمتد آلاف السنين، إلى اللحظة التي وقف فيها إبراهيم على صخرته ورفع صوته، فأبلغه الله أقاصي الخلق.

وحين ترى الكعبة أول مرة، وتمتلئ عيناك بالدموع لسبب لا تستطيع تفسيره، فلعلّها روحك تعرف المكان الذي دُعيت إليه. لقد عدتَ إلى حيث تنتمي.

ليلٌ فوق جبال مكة: حلقات من الضوء الذهبي تنتشر من قمة تلّ بجانب الوادي عبر سلاسل الجبال المتتابعة، ومسالك تتلوّى من الثنايا البعيدة نحو البيت الصغير في الوادي، وتتوهج في السماء الكلمات العربية من سورة الحج ٢٢:٢٧: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾.

من إبراهيم إلى محمد ﷺ - نهضة مكة وانحرافها

بعد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ظلّت الكعبة مركزًا لعبادة التوحيد. وأقبل الحجاج كما وعد الله، ونمت مكة حتى صارت مدينة مزدهرة على طرق التجارة بين اليمن والشام.

لكن شيئًا ما تغيّر على مرّ القرون؛ فببطء وخفاء تسلّلت الوثنية من جديد. ويُقال إن أول من أدخل عبادة الأصنام إلى ما حول الكعبة هو عمرو بن لُحيّ، أحد سادات خزاعة. وقد قال النبي ﷺ: «رأيتُ عمرو بن عامر بن لُحيّ الخزاعي يجرّ قُصْبَه في النار» (صحيح البخاري ٣٥٢١)، إذ كان أول من سيّب السوائب، أي أطلق الأنعام باسم الأصنام. وفي رواية أخرى أوردها ابن إسحاق وُصف بأنه أول من غيّر دين إسماعيل عليه السلام.

وحين وُلد النبي محمد ﷺ في مكة، كان البيت الذي بناه إبراهيم لعبادة الله الواحد قد أحاط به ٣٦٠ صنمًا؛ فقد وضعت كل قبيلة صنمها في الكعبة أو حولها. وكانت قريش لا تزال تؤدي بقايا من شعائر إبراهيم - فتطوف بالبيت، وتعظّم أشهر الحج، وتسقي الحجيج - لكن جوهر التوحيد كان قد دُفن تحت طبقات من الشرك.

إن البيت ذاته الذي بُني بدعاء ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ صار بؤرة الشرك في جزيرة العرب.

لكن دعاء إبراهيم لم يكن ليضيع عند الله: ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾... وقد استُجيب ذلك الدعاء في محمد بن عبد الله ﷺ، الذي وُلد في مكة نحو سنة ٥٧٠ م، من ذرية إسماعيل ومن ذرية إبراهيم، وبُعث رسولًا وهو ابن أربعين سنة (صحيح البخاري ٣٩٠٢).

وعلى مدى أكثر من عشرين عامًا دعا النبي ﷺ إلى التوحيد، الرسالة نفسها التي دعا إليها إبراهيم، فلقي الأذى والإخراج والحرب. ثم في السنة الثامنة من الهجرة عاد إلى مكة فاتحًا، فدخلها في جيش قوامه ١٠٬٠٠٠، واستسلمت قريش دون قتال يُذكر.

وجاء النبي ﷺ إلى البيت الذي بناه جدّه فوجد حوله ٣٦٠ صنمًا منصوبة، فجعل يطعنها بعودٍ في يده، وهو يتلو:

وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا

سورة الإسراء، ١٧:٨١

وكان يطعن كل صنم بعوده وهو يتلو. وأبى أن يدخل الكعبة وفيها الأصنام حتى أُخرجت، ثم دخلها فكبّر في نواحيها.

صحيح البخاري ٤٢٨٧، ٤٢٨٨

وسقطت الأصنام واحدًا بعد واحد، وطُهّر بيت إبراهيم، وأُعيد إرث التوحيد الذي ظلّ مشوّهًا قرونًا. لقد استُجيب دعاء إبراهيم استجابة تامة.

تأمّل روحي

لم يقع إفساد الكعبة بين عشية وضحاها، بل وقع تدريجيًّا: صنمًا بعد صنم، وتنازلًا بعد تنازل، على مدى أجيال. وهكذا يتآكل الإيمان: لا بانهيارات مفاجئة، بل بتحوّلات بطيئة لا تكاد تُرى. والقصة تحذير: احرس توحيدك بكل حزم. فالذين وضعوا الأصنام حول الكعبة لم يظنوا أنهم يخالفون إبراهيم، بل ظنوا أنهم يكرّمون آباءهم. وكثيرًا ما يلبس الضلال قناع العادة الموروثة.

لكن القصة وعدٌ كذلك: مهما بلغ الانحدار، فالله قادر على الإصلاح. فإن كان الله قد طهّر بيته بعد قرون من الشرك، فهو قادر على أن يطهّر قلبك بعد سنوات من الغفلة. ليس أحدٌ أبعد من أن يعود. وهذا هو رجاء الحج.

حجة الوداع للنبي ﷺ

في السنة العاشرة من الهجرة (٦٣٢ م) حجّ النبي محمد ﷺ، وكانت حجته الوحيدة بعد الهجرة، وتُعرف بـحجة الوداع. فقد أحسّ أن أجله في هذه الدنيا قد اقترب، وأراد أن يعلّم أمته مناسك الحج تعليمًا تامًّا يكفيها إلى الأبد.

قال النبي ﷺ: «لِتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلّي لا أحجّ بعد حجتي هذه».

صحيح مسلم ١٢٩٧

وبحسب تقديرات متأخرة، صحبه أكثر من ١٠٠٬٠٠٠ صحابي، يرقبون كل حركة منه، وينصتون لكل كلمة، ويحفظون كل فعل. وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حجة النبي ﷺ كاملة في حديث طويل مشهور في صحيح مسلم (١٢١٨)، وهو من أكثر الأحاديث تفصيلًا في التراث الإسلامي كله. فهو يصف كل شيء: كيف أحرم النبي ﷺ، وكيف طاف، وكيف سعى بين الصفا والمروة، وكيف وقف بعرفات، وكيف رمى الجمرات، وكيف نحر هديه، وكيف ألقى خطبة الوداع.

وفي هذه الحجة، يوم عرفة - في بطن وادي عُرَنة على طرف عرفات - ألقى النبي ﷺ خطبة الوداع أمام أكبر جمع من المسلمين في حياته. فتحدّث عن حرمة الدماء والأموال، وحقوق النساء، وتحريم الربا، ووجوب الاعتصام بكتاب الله (وتزيد رواية أخرى: وسنّته). وفي خطبة ألقاها بمنى في الأيام التالية أعلن كذلك المساواة بين الناس جميعًا. وفي عرفة سأل الناس:

«وأنتم تُسألون عنّي، فما أنتم قائلون؟»

قالوا: «نشهد أنك قد بلّغتَ وأدّيتَ ونصحتَ».

فقال بإصبعه السبّابة، يرفعها إلى السماء وينكُتها إلى الناس: «اللهم اشهد»، ثلاث مرات.

صحيح مسلم ١٢١٨

وفي هذه الحجة، وهو واقف بعرفة، نزلت الآية التي أعلنت إكمال الدين (صحيح البخاري ٤٥):

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا

سورة المائدة، ٥:٣

وتوفي النبي ﷺ بعد نحو ثلاثة أشهر، تاركًا دينًا كاملًا، وكعبة مطهّرة، ونموذجًا مفصّلًا لأداء الحج. وكل ما في هذا الدليل يتبع هديه في تلك الحجة: المناسك نفسها، بالترتيب نفسه، كما رواها في المقام الأول جابر رضي الله عنهما وغيره من الصحابة.

فحين تحجّ، فإنك تمشي حيث مشى النبي ﷺ، وتقف حيث وقف، وتقول ما قال. وأنت موصول به بسلسلة نقل لم تنقطع: من جابر، إلى علماء جيله، إلى علماء الجيل الذي بعده، عبر القرون، حتى معلّمك، ثم إليك.

اكتملت الدائرة: بنى إبراهيم عليه السلام الكعبة ودعا الناس إلى الحج. ثم مضت القرون، وأفسدت الوثنية الشعائر. فجاء محمد ﷺ - وهو إجابة دعاء إبراهيم نفسه - فطهّر الكعبة وأعاد الحج إلى صورته الأولى. لقد أدّى خاتمُ الأنبياء الحجَّ الذي أرسى قواعده خليلُ الله أبو الأنبياء. والآن تسير أنت على خُطاهما معًا. من نداء إبراهيم، إلى هدي محمد ﷺ، إلى تلبيتك أنت: اكتملت الدائرة.

وأنت تستعد لهذه الرحلة، فلتكن كلمات الله هاديك:

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ

سورة البقرة، ٢:١٩٦

تأمّل روحي

لم يحجّ النبي ﷺ بعد الهجرة إلا حجة واحدة. ولم يتعامل معها على أنها أمر مضمون، ولا أدّاها بتهاون، بل قال: «لِتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلّي لا أحجّ بعد حجتي هذه». كان يعلم ثقل ما يقوم به، ويعلم أنها قد تكون الأخيرة. وقد كانت كذلك فعلًا، كانت الأخيرة.

فأقبِل على حجّك بالوعي نفسه؛ فأنت لا تدري أتعود مرة أخرى أم لا، ولا تدري أهذه فرصتك الوحيدة. فاجعل كل خطوة كأنها الأخيرة، وصلِّ كل صلاة كأنها صلاة مودّع، وادعُ كل دعاء كأنك لن ترفع يديك بعده أبدًا. وليس هذا تشاؤمًا، بل هو السنّة؛ فقد علّمنا النبي ﷺ أن نعيش مستشعرين قِصر الوقت، وأن نعبد الله بهمّة، وألا نؤجّل أبدًا ما هو أهمّ.

صعيد عرفة في الضوء الذهبي قبيل الغروب، وجبل الرحمة - تلّ من صخور الغرانيت تعلوه سارية بيضاء - يرتفع منه بين أشجار متفرقة، وفي السماء الكلمات العربية من سورة المائدة ٥:٣: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.

محطة مراجعة - اختبر نفسك

اختبر معلوماتك

ما مدى معرفتك بالقصة التي تقف وراء مناسك الحج؟

ابدأ اختبار قصة إبراهيم ←

أخبار ذات صلة - الحج ومكة

المزيد من الأخبار ←