Grand Mosque Imam Addresses Guests of King's Umrah Program at Orientation Session in Makkah - وكالة الأنباء السعودية
Grand Mosque Imam Addresses Guests of King's Umrah Program at Orientation Session in Makkah وكالة الأنباء...
مدينة النبي ﷺ المنوّرة - فضائلها وآدابها، ودليل شامل لزيارتها
المدينة. المدينة المنوّرة، المدينة المشرقة بالنور. وتُعرف أيضًا بـطَيْبة وطابة، وكلاهما بمعنى «الطيّبة الطاهرة». هذه هي المدينة التي فتحت ذراعيها للنبي ﷺ حين أخرجته مكة. المدينة التي بذل أهلها، الأنصار، كل ما يملكون لإيواء هذا الدين. المدينة التي قام فيها بناء الإسلام، وتشكّلت فيها الأمة المسلمة، واكتمل فيها نزول القرآن، وعاش فيها النبي ﷺ يعلّم ويحكم، ثم دُفن فيها.
زيارة المدينة ليست من مناسك الحج أو العمرة. فهي ليست واجبة، وليست شرطًا لصحة حجك أو عمرتك. ولكنها مستحبة استحبابًا عظيمًا، ونعمة جليلة. والغالبية العظمى من الحجاج يزورون المدينة قبل حجهم أو بعده، وهي من أغنى التجارب الروحية التي يمكن أن يعيشها المسلم.
قال النبي ﷺ: «لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ، ومسجد الأقصى»
صحيح البخاري ١١٨٩، صحيح مسلم ١٣٩٧يدل هذا الحديث على أن المسجد النبوي في المدينة أحد ثلاثة مساجد فقط في العالم كله شُرع شدّ الرحال إليها. فأنت لا تزور مدينة فحسب، بل تلبّي دعوة نبوية إلى الصلاة في واحد من أبرك بقاع الأرض.
متى تزور المدينة: يزور أكثر الحجاج المدينة إما قبل الحج (فيصلون إلى المدينة أولًا ويمكثون فيها أيامًا، ثم يتوجهون إلى مكة للحج)، وإما بعد الحج (فيُتمّون مناسك الحج كلها، ثم يتوجهون إلى المدينة قبل العودة إلى بلادهم). وليس في ذلك ترتيب مشروع، فكلا الأمرين جائز تمامًا. وكثير من برامج الحج تتضمن إقامة في المدينة ضمن جدولها. ومن الشائع أن تكون الإقامة ثمانية أيام، ليتمكن الحاج من أداء أربعين صلاة متتالية في المسجد النبوي، مع أن الحديث الوارد في فضلٍ خاص للأربعين صلاة فيه (مسند أحمد ١٢٥٨٣) ضعّفه الألباني (السلسلة الضعيفة ٣٦٤) وغيره من المحدّثين المتأخرين، وإن كان المنذري والهيثمي قد وثّقا رواته.
أنت على وشك أن تمشي في الطرقات التي مشى فيها النبي ﷺ. ستصلي حيث صلّى. ستقف عند قبره. ستتنفس هواء المدينة التي سأل الله أن يحبّبها إليه كحبّه مكة أو أشد. هذه المدينة احتضنته حين رفضته مكة، وأهلها آووه حين تآمر قومه على قتله. وهي تُسمّى «المنوّرة»، وقد قال أنس رضي الله عنه: «لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء» (جامع الترمذي ٣٦١٨). فادخل هذه المدينة بالمحبة. ادخلها بالإجلال. ادخلها وأنت تعلم أنك ضيف في مدينة نبيّك، خير البشر، الذي نرجو شفاعته يوم القيامة. امشِ بسكينة، وتكلّم برفق، ودع قلبك ينكسر من عِظم شرف وجودك هنا.
تحدّث النبي ﷺ عن فضائل المدينة كثيرًا. فقد أحبّها حبًّا عميقًا، ودعا لها مرارًا، وأعلنها حرمًا مقدّسًا، كما أعلن إبراهيم عليه السلام مكة حرمًا. والأحاديث في فضائل المدينة كثيرة وثابتة:
قال النبي ﷺ: «اللهم حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكة أو أشد»
صحيح البخاري ١٨٨٩وكان ﷺ إذا قدم من سفر فنظر إلى جدران المدينة وبنيانها أسرع براحلته من شدة حبه لها، فإن كان على دابته حرّكها لتسرع (صحيح البخاري ١٨٨٦). كان قلبه يخفق شوقًا إلى المدينة كما تخفق قلوبنا شوقًا إلى بيوتنا، غير أن حبه كان أنقى وأعمق، يزكّيه الوحي.
قال النبي ﷺ: «المدينة حرمٌ من كذا إلى كذا، لا يُقطع شجرها، ولا يُحدث فيها حدث»
صحيح البخاري ١٨٦٧قال النبي ﷺ: «إن إبراهيم حرّم مكة، وإني حرّمت المدينة ما بين لابتيها، لا يُقطع عِضاهها، ولا يُصاد صيدها». ودعا ﷺ فقال: «اللهم بارك لنا في صاعنا ومُدّنا» (والصاع والمدّ مكيالا أهل المدينة).
صحيح مسلم ١٣٦٢، ١٣٧٤وكما أعلن إبراهيم عليه السلام مكة حرمًا، أعلن النبي ﷺ المدينة أرضًا محرّمة. فما بين حرّتيها (وهما أرضان تغطيهما الحجارة البركانية السوداء)، حرّة واقم شرقًا وحرّة الوبرة غربًا، أرض حرام. وعند جمهور العلماء (المالكية والشافعية والحنابلة) لا يجوز قطع شجرها، ولا صيد حيوانها البري. ويرى الحنفية أن هذين الأمرين لا يحرمان فيها، بخلاف مكة، مع تعظيمهم هم أيضًا لحرمة المدينة.
قال النبي ﷺ: «على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون، ولا الدجال»
صحيح البخاري ١٨٨٠المدينة تحرسها الملائكة. لا يدخلها الطاعون. والدجال، أعظم فتنة تواجهها البشرية، لن يستطيع دخولها. وحين يقترب منها في آخر الزمان، ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيُخرج الله منها كل كافر ومنافق (صحيح البخاري ١٨٨١)، ويبقى المؤمنون في حماية داخل حدودها المباركة.
قال النبي ﷺ: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها»
صحيح البخاري ١٨٧٦، صحيح مسلم ١٤٧وكما تعود الحية دائمًا إلى جحرها، يعود الإيمان دائمًا إلى المدينة. فمهما انتشر في أرجاء العالم، يبقى أصله وملاذه هذه المدينة المباركة. وقد فسّر العلماء ذلك بأن المدينة تبقى في أزمنة الفتن والاضطراب حصنًا للإيمان الصحيح والسنة.
قال النبي ﷺ: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها»
جامع الترمذي ٣٩١٧ (قال الترمذي: حسن صحيح؛ وصحّحه الألباني)وقد وعد النبي ﷺ بشفاعته خاصةً لمن يموت في المدينة. ولهذا حرص العلماء والصالحون على مرّ التاريخ على أن يعيشوا في هذه المدينة ويموتوا فيها. وكان عمر رضي الله عنه نفسه يدعو: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك ﷺ» (صحيح البخاري ١٨٩٠). فاستجاب الله دعاءه.
قال النبي ﷺ عن المدينة: «من صبر على لأوائها كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة»
صحيح مسلم ١٣٧٧كانت المدينة في تاريخها أرض حُمّى وظروف قاسية، وقد عانى المهاجرون الأوائل كثيرًا من مناخها. ومع ذلك وعد النبي ﷺ من صبر على شدائد المدينة بأن يكون ﷺ نفسه شفيعًا له أو شهيدًا يوم القيامة. وهذا الوعد لمن يقيم فيها ويصبر على شدتها، لكن الزائر يستطيع مع ذلك أن يأخذ منه درسه: فحرّ المدينة في الصيف شديد، فاصبر عليه.
قال النبي ﷺ: «إنما المدينة كالكير، تنفي خبثها، وينصع طيبها»
صحيح البخاري ١٨٨٣، صحيح مسلم ١٣٨٣وكما يَنفي الكيرُ خَبَثَ الحديد فيحرق ما فيه من شوائب (صحيح البخاري ١٨٧١)، تصفّي المدينة من يعيش فيها. فمن لم يكن صادقًا لم يُطِق العيش فيها فخرج منها، وقبل قيام الساعة يُخرج الله منها كل منافق (صحيح البخاري ١٨٨١). والمؤمنون الصادقون بقوا فيها وازدادوا ثباتًا. فكأن في تراب هذه المدينة نفسه سرًّا روحيًّا يصفّي النفوس.
تأمّل هذه الأحاديث مجتمعة. هذه مدينة تحرسها الملائكة. محميّة من الدجال. أعلنها النبي ﷺ حرمًا بلسانه الشريف. مدينة يأرز إليها الإيمان دائمًا. الموت فيها تُنال به الشفاعة، والصبر على شدّتها تُنال به شهادته ﷺ. يُنفى خبثها وينصع طيبها. أنت لا تزور مكانًا عاديًّا، بل تدخل أرضًا محرّمة: أرضًا صُلّي فيها، وبُكي فيها، وقوتل دونها، وأكرمها خير جيل من البشر عرفته الدنيا. فامشِ على هذه الأرض بالإجلال الذي تستحقه.
قال النبي ﷺ: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام»
صحيح البخاري ١١٩٠، صحيح مسلم ١٣٩٤الصلاة الواحدة في المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما سواه. ومعنى ذلك أن صلاة فجر واحدة هنا تعدل صلوات فجرٍ تصليها في غيره قرابة ٢٫٧ سنة. وكل لحظة تقضيها مصلّيًا في هذا المسجد يتضاعف أجرها أضعافًا عظيمة. فأكثِر من الصلاة هنا.
حين قدم النبي ﷺ المدينة في الهجرة (هجرته من مكة)، كان أول ما فعله أن أسّس مسجدًا. فقد بركت ناقته القصواء في موضع كان لغلامين يتيمين من الأنصار، فاشترى النبي ﷺ الأرض، وشرع في بناء المسجد بيديه، وكان ينقل اللَّبِن بنفسه (صحيح البخاري ٣٩٠٦). وكان الصحابة يعملون معه، ينقلون الحجارة ويرتجزون وهم يعملون، والنبي ﷺ يرتجز معهم (صحيح البخاري ٤٢٨):
«اللهم لا خير إلا خير الآخره، فاغفر للأنصار والمهاجره»
كان المسجد الأول متواضعًا تواضعًا يفوق الخيال. جدرانه من اللَّبِن والطين، وسقفه من جريد النخل وأغصانه، وأعمدته من جذوع النخل. وكانت أرضه ترابًا، فإذا نزل المطر صارت طينًا يسجد فيه المصلون. لا سجاد ولا رخام ولا تكييف، بل إخلاص فحسب، وحضور أعظم إنسان عرفته البشرية.
وقد وُسّع المسجد على مرّ القرون مرات عديدة:
| الفترة | التوسعة |
|---|---|
| عمر بن الخطاب رضي الله عنه - ١٧ هـ | أول توسعة بعد النبي ﷺ، وكان ﷺ نفسه قد وسّع المسجد حين ضاق (سنن النسائي ٣٦٠٨)؛ وأضاف عمر أرضًا من جهات القبلة (الجنوب) والغرب والشمال |
| عثمان بن عفان رضي الله عنه - ٢٩ هـ | استُبدلت الجدران الطينية بالحجارة المنقوشة، والأعمدة الخشبية بأعمدة من الحجارة |
| العصر الأموي - الوليد بن عبد الملك، ٨٨ هـ | توسعة كبرى؛ أُدخلت حُجرات النبي ﷺ في المسجد |
| العصر العباسي | توسعات إضافية في عهود عدد من الخلفاء العباسيين |
| العصر المملوكي | بُنيت القبة الشهيرة فوق قبر النبي ﷺ أول مرة (وكانت في الأصل من الخشب غير المطليّ) |
| العصر العثماني | تجديدات كبرى؛ وطُليت القبة باللون الأخضر (كما هي اليوم) |
| العهد السعودي - من خمسينيات القرن العشرين إلى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين الميلادي | توسعات ضخمة في عهد الملك عبد العزيز والملك فهد؛ وزادت الطاقة الاستيعابية على مليون مصلٍّ؛ مع القباب المتحركة في السقف، والساحات الرخامية، وأول ١٢ مظلة في صحون المسجد. ثم جاءت المظلات الـ٢٥٠ في الساحات المحيطة في عهد الملك عبد الله (٢٠١٠-٢٠١١)، الذي أمر أيضًا بتوسعة أخرى عام ٢٠١٢ |
أما القبة الخضراء الشهيرة، ولعلها أشهر رموز المدينة على الإطلاق، فقد بناها المماليك عام ١٢٧٩م قبةً خشبية بلون الخشب الطبيعي. ثم طُليت بالأبيض ثم بالأزرق، إلى أن طلاها العثمانيون بلونها الأخضر المميز عام ١٨٣٧م. وهي تقوم فوق موضع الحجرة التي دُفن فيها النبي ﷺ.
واليوم يُعدّ المسجد النبوي من أكبر مساجد العالم، إذ تتجاوز طاقته الاستيعابية مليون مصلٍّ مع احتساب الساحات والسطح. والمظلات المتحركة الشهيرة في الساحات تنفتح نهارًا لتوفير الظل، وهي من أجمل المناظر في العالم الإسلامي.
نصيحة عملية: المسجد النبوي مفتوح على مدار ٢٤ ساعة. وأفضل أوقات العبادة الهادئة بعد العشاء، وفي آخر الليل وأول الصباح قبل الفجر. فاغتنم هذه الأوقات الهادئة لإطالة الصلاة والتأمل. واحمل معك سترة خفيفة، فالتكييف في الداخل قد يكون باردًا جدًّا.
قال النبي ﷺ: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»
صحيح البخاري ١١٩٥، صحيح مسلم ١٣٩٠الروضة هي المنطقة الواقعة بين حجرة النبي ﷺ (الحجرة التي دُفن فيها، وكانت في الأصل حجرة عائشة رضي الله عنها) والموضع الأصلي لمنبره. وقد فسّرها العلماء بأكثر من وجه: أن هذه البقعة بعينها ستُنقل إلى الجنة، أو أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة، أو أنها كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة عليها (ابن حجر، فتح الباري). وكل هذه الأقوال متفقة على عظيم بركتها.
ويمكنك تمييز الروضة من سجادها الأخضر المميز، بينما سائر المسجد مفروش بالسجاد الأحمر. ومساحتها نحو ٢٢ مترًا طولًا و١٥ مترًا عرضًا، وهي مساحة صغيرة نسبيًّا أمام الملايين الذين يتمنّون الصلاة فيها.
نصيحة عملية: الروضة شديدة الازدحام في أوقات الذروة. والدخول إليها بتصريح فقط: احجز موعدًا مجانيًّا مسبقًا في تطبيق نسك الرسمي، واحضر في موعدك والتصريح على هاتفك. ولأفضل فرصة في الدخول:
أنت واقف في روضة من رياض الجنة، قالها النبي ﷺ بلسانه الشريف. فابكِ هنا لله، وارجُ ألا يُضيّع سبحانه دمعة صادقة واحدة. فصلِّ وأنت تستحضر ذلك، وابكِ وأنت تعلمه، ودع عظمة المكان الذي أنت فيه تغمرك. ملايين المسلمين عاشوا وماتوا وهم يحلمون بالوقوف حيث تقف الآن. وقد لا تقف هنا مرة أخرى أبدًا. فصلِّ هذه الصلاة كأنها آخر صلاة تصليها في حياتك.
من السنة زيارة قبر النبي ﷺ والسلام عليه. وقد دُفن النبي ﷺ فيما كان حجرة عائشة رضي الله عنها، وإلى جواره أقرب أصحابه إليه: أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعمر بن الخطاب رضي الله عنه. وهذه الحجرة داخلة في المسجد، من وراء شبابيك نحاسية وجدران.
قال النبي ﷺ:
«ما من أحد يسلّم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام»
سنن أبي داود ٢٠٤١ (حسّنه الألباني، وصحّح النووي إسناده)السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ
ولك أن تزيد (وهي صيغة استحسنها بعض العلماء كالنووي، وليست حديثًا، ومثلها الزيادات الآتية في السلام على أبي بكر وعمر): «السلام عليك يا خير خلق الله، أشهد أنك قد بلّغت الرسالة، وأدّيت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده».
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ
ولك أن تزيد: «جزاك الله عن أمة محمد خيرًا».
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا عُمَرُ، أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
ولك أن تزيد: «جزاك الله عن أمة محمد خيرًا».
تنبيه عقدي بالغ الأهمية: لا توجّه الدعاء إلى النبي ﷺ. ولا تسأله هو الشفاعة، ولا المغفرة، ولا العون، ولا أي شيء آخر. ولا تتضرّع إليه، ولا تنادِه مستغيثًا، ولا تصرف له أي نوع من أنواع العبادة. فالدعاء كله يُوجَّه إلى الله وحده. وقد حذّر النبي ﷺ نفسه من ذلك صراحة:
«لا تجعلوا قبري عيدًا» (أي: موضعًا يُعتاد الاجتماع عنده والاحتفال به كالعيد) - سنن أبي داود ٢٠٤٢
«اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» - مسند أحمد ٧٣٥٢
«اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» - موطأ مالك ٤١٦ (مرسل، عن عطاء بن يسار)
زُر قبر النبي ﷺ بمحبة. وسلّم عليه. وصلِّ عليه. ولكن وجّه كل طلب، وكل دعاء، وكل عبادة إلى الله. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وهذا ما علّمه النبي ﷺ نفسه وأمر به.
بعد السلام على النبي ﷺ، لك أن تتنحّى قليلًا، وتستقبل القبلة، وتدعو الله. ويرى بعض العلماء، ومنهم الإمام النووي وابن قدامة وغيرهما، جواز التوسل بجاه النبي ﷺ، أي أن تسأل الله بالمنزلة والجاه اللذين أعطاهما الله نبيه: «اللهم إني أسألك بجاه نبيك…». وهذا يختلف عن سؤال النبي ﷺ نفسه، فأنت تسأل الله، وتذكر النبي ﷺ وسيلةً. وذهب علماء آخرون، منهم ابن تيمية وابن القيم، إلى أن هذه الصورة بعينها من التوسل لم تثبت عن الصحابة، فلا ينبغي العمل بها؛ وكذلك نصّت كتب الحنفية المتقدمة على كراهة سؤال الله «بحق» أحد من خلقه (الهداية). وفي المسألة خلاف معتبر بين أهل السنة. والقول الأسلم والمتفق عليه أن تدعو الله مباشرة، متوسلًا بأسمائه وصفاته، وذاكرًا صالح أعمالك، سائلًا بإخلاص وتذلّل.
نصيحة عملية: الممر أمام قبر النبي ﷺ قد يكون شديد الزحام وسريع الحركة، وقد يحرص الحراس على استمرار سير الصف. فلا تتوقع أن تقف طويلًا. جهّز سلامك مسبقًا، وقله بوضوح واختصار. وإن دُفعت سريعًا فلا تقلق، فسلامك يبلغه مع ذلك. ويمكنك أيضًا أن تسلّم على النبي ﷺ وتصلّي عليه من أي مكان في المسجد، بل من أي مكان في العالم: «وصلّوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (أبو داود ٢٠٤٢)، والملائكة تبلّغه سلام أمته (سنن النسائي ١٢٨٢).
أنت واقف عند قبر محمد بن عبد الله ﷺ. خاتم النبيين. المبعوث رحمة للعالمين. الذي بكى من أجلك قبل أن تولد، وهو يقول: «أمتي أمتي» (صحيح مسلم ٢٠٢). الذي سيتقدّم أمته إلى الحوض يوم القيامة (صحيح البخاري ٦٥٧٦)، سقاك الله منه. الذي سيخرّ ساجدًا لله، ويشفع لأمته حين لا يفعل ذلك أحد غيره (صحيح البخاري ٧٥١٠). أنت تحبه، وقد اشتاق ﷺ إلى رؤية المؤمنين الذين يأتون من بعده، وسمّاهم إخوانه (صحيح مسلم ٢٤٩). فسلّم عليه بقلب ممتلئ. وإذا انصرفت، فانصرف عازمًا على أن تحيا بسنته، فذلك أصدق تعبير عن المحبة.
لمسجد قباء شرف فريد في التاريخ الإسلامي: فهو أول مسجد بناه النبي ﷺ، ويُسمّى كثيرًا أول مسجد في الإسلام. فحين هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، نزل أولًا في قرية قباء على أطراف المدينة، ومكث فيها بضع عشرة ليلة (صحيح البخاري ٤٢٨، ٣٩٠٦) قبل أن يمضي إلى المدينة نفسها، وفي تلك الأيام أسّس هذا المسجد، واضعًا أول حجارته بيديه الشريفتين.
ويرى كثير من المفسرين أن هذه الآية من القرآن تشير إلى قباء، وأن ما فيها عن الرجال الذين يحبون أن يتطهروا نزل في أهل قباء (سنن أبي داود ٤٤). وفي صحيح مسلم ١٣٩٨ طبّقها النبي ﷺ على مسجده هو، وقد بيّن العلماء كابن كثير أن المسجدين كليهما مقصودان:
﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾
سورة التوبة: ١٠٨وجعل النبي ﷺ لزيارته أجرًا عظيمًا:
قال النبي ﷺ: «من تطهّر في بيته، ثم أتى مسجد قباء فصلّى فيه صلاة، كان له كأجر عمرة»
سنن ابن ماجه ١٤١٢، سنن النسائي ٦٩٩أعد قراءة ذلك. صلاة في مسجد قباء، بعد أن تتوضأ في مقر إقامتك، لك بها كأجر عمرة. وهذه من أيسر العبادات المتاحة لك في المدينة وأعظمها أجرًا.
كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت، ماشيًا أحيانًا وراكبًا أحيانًا.
صحيح البخاري ١١٩٣، صحيح مسلم ١٣٩٩نصائح عملية لزيارة قباء:
هذا المسجد البسيط هو أول مسجد بناه النبي محمد ﷺ. فقبل المساجد الفخمة برخامها وذهبها، وقبل التوسعات التي تتسع للملايين، وقبل القباب والمآذن التي ترسم الأفق، كان قباء: بناءً متواضعًا قام على الإخلاص والتقوى. لم يُثنِ الله عليه لعمارته، بل أثنى عليه لأنه ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾. والدرس لنا: ليست العبرة بفخامة عبادتنا، بل بأساسها. فصلاة في مسجد من اللَّبِن مع الإخلاص أرجح من صلاة في قصر من رخام مع الكبر. فالإخلاص، لا البهاء، هو ما يجعل المكان، والإنسان، مقدّسًا.
جنة البقيع (والجنة هنا بمعنى البستان) هي المقبرة الرئيسية في المدينة، وتقع ملاصقة للجدار الجنوبي الشرقي للمسجد النبوي. وهي من أشرف المقابر في الإسلام. وقد دُفن فيها آلاف مؤلفة من الصحابة، ومن آل بيت النبي ﷺ، والعلماء، والصالحين من المسلمين.
ومن أعلام الإسلام المدفونين فيه:
كان النبي ﷺ يخرج إلى البقيع في آخر الليل فيسلّم على أهله ويدعو لهم (صحيح مسلم ٩٧٤)، وكان يعلّم أصحابه أن يقولوا إذا زاروا القبور:
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ
- صحيح مسلم ٩٧٥، وهذا لفظ سنن ابن ماجه ١٥٤٧
وكان يقول أيضًا:
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ
- صحيح مسلم ٩٧٤
تنبيه مهم: لا توجّه الدعاء إلى الأموات، ولا تستغث بهم، ولا تطلب منهم الشفاعة مباشرة، ولا تقع في أي صورة من صور عبادة القبور. فهذا شرك بالله، وهو أشد ما حذّر منه النبي ﷺ. زُر البقيع لتسلّم على أهله، ولتدعو لهم (بأن يغفر الله لهم)، ولتتذكّر أنك أنت أيضًا ميت. هذا كل شيء.
نصائح عملية:
وأنت واقف في البقيع، فإنك تقف فوق رفات أناس رأوا النبي ﷺ بأعينهم. سمعوا صوته. وصلّوا خلفه. وقاتلوا معه. وبذلوا كل شيء، بيوتهم وأموالهم وأهليهم وأرواحهم، في سبيل هذا الدين. وهم الآن تحت التراب، ينتظرون اليوم الذي يبعثهم الله فيه. وفي يوم ما، أقرب مما تظن، ستكون أنت أيضًا تحت التراب. قال النبي ﷺ: «فزوروا القبور، فإنها تذكّر الموت» (مسلم ٩٧٦). فدع البقيع يؤدي الغاية التي شُرعت زيارته لأجلها: دعه يحطّم وهم الدوام في نفسك. أنت راحل. فاعمل على هذا الأساس.
قال النبي ﷺ عن أُحد: «جبلٌ يحبنا ونحبه»
صحيح البخاري ١٤٨١، صحيح مسلم ١٣٦٥يقع جبل أُحد شمال المدينة، جبلًا وعرًا ضاربًا إلى الحمرة يمتد على امتداد الأفق. وقد عبّر النبي ﷺ عن حبه لهذا الجبل، والجبل يحبه كذلك. ويرى النووي وغيره أن هذا على حقيقته، لا من قبيل التعبير الشعري: فقد جعل الله في الجبل محبةً حقيقية (شرح صحيح مسلم)، وإن كان بعض العلماء قد حملوه على المجاز. فصخور هذه الأرض وجبالها خاضعة لله، وتعرف نبيه.
في السنة الثالثة من الهجرة (٦٢٥م)، زحفت قريش من مكة نحو المدينة بجيش قوامه ٣٠٠٠ مقاتل، تطلب الثأر لهزيمتها في بدر. فلقيهم النبي ﷺ عند سفح جبل أُحد بنحو ٧٠٠ رجل.
بدأت المعركة لصالح المسلمين، لكن خطأً فادحًا غيّر مجراها. فقد وضع النبي ﷺ خمسين راميًا على تلّ صغير (يُعرف اليوم بـجبل الرماة) وأمرهم أمرًا صارمًا: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا». فلما بدا أن المشاة من المسلمين ينتصرون، ترك أكثر الرماة مواقعهم لجمع الغنائم. فالتفّت خيالة قريش بقيادة خالد بن الوليد (ولم يكن قد أسلم بعد) على الجناح المكشوف، وهاجمت المسلمين من الخلف.
وكانت النتيجة فادحة: استُشهد سبعون صحابيًّا، ومنهم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، عم النبي ﷺ الحبيب، و«أسد الله»، الذي قتله وحشي بن حرب (صحيح البخاري ٤٠٧٢)؛ وتذكر روايات السيرة أن هند بنت عتبة، التي أسلمت بعد ذلك، مثّلت بجسده.
وأُصيب النبي ﷺ نفسه إصابات بالغة: فشُجّ وجهه الشريف، وكُسرت رباعيته، وتذكر روايات السيرة أنه وقع في حفرة. وشاعت إشاعة أنه قد قُتل، فاضطربت الصفوف. ومع ذلك ثبت ﷺ، وجمع أصحابه، فأعاد المسلمون تنظيم صفوفهم.
قال النبي ﷺ عن شهداء أُحد: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة»
صحيح البخاري ١٣٤٣وعند سفح جبل أُحد تقع مقبرة الشهداء، حيث دُفن الصحابة السبعون الذين سقطوا في المعركة. وبعد ثماني سنين من المعركة، خرج النبي ﷺ فصلّى عليهم «كالمودِّع للأحياء والأموات» (صحيح البخاري ٤٠٤٢). فإذا زرتهم، فسلّم عليهم، وادعُ لهم.
ومن التحية المناسبة لهم تحيةُ القرآن لأهل الجنة [الرعد: ٢٤] (وفي بعض الآثار المتقدمة، بأسانيد ضعيفة، أن النبي ﷺ كان يحيّي بها الشهداء):
سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
كن حذرًا: يوجد عند أُحد أناس يبيعون التذكارات ويحاولون إرشاد الزوار، وقد يروّجون أحيانًا لممارسات مبتدعة أو قصص مختلقة. فاحذر ممن يزعم أنه يريك «الموضع الدقيق» لأحداث بعينها، أو يدعوك إلى أعمال لم تثبت في السنة. يكفيك أن تزور، وتسلّم على الشهداء، وتتفكّر في تضحية الصحابة، ثم تنصرف. ولا تتمسّح بالجدران، ولا تجمع التراب على أنه «آثار مباركة»، ولا تفعل شيئًا لا أصل له في القرآن والسنة.
نصيحة عملية: يقع جبل أُحد على بعد ٥ كم شمال المسجد النبوي تقريبًا. وأكثر مجموعات الحج والعمرة تُدرج زيارة أُحد في برنامجها. وإن كنت مسافرًا بمفردك، فسيارة الأجرة أو تطبيقات النقل أيسر وسيلة. والموقع مفتوح ولا رسوم لدخوله. ويمكنك أيضًا رؤية جبل الرماة القريب، وهو مرتفع صغير كان يرابط عليه الرماة.
أُحد يعلّمنا ما لم تعلّمنا إياه بدر: أن طاعة النبي ﷺ ليست أمرًا اختياريًّا، وأن النصر يأتي من الانضباط لا من الهوى. كانت لدى الرماة تعليمات واضحة، فقدّموا رأيهم على أمر النبي ﷺ، فكانت العواقب كارثية. وكم مرة نفعل نحن الشيء نفسه؟ كم مرة نعرف السنة، ونعرف الحكم، ونعرف ما أمر الله به ورسوله، ثم نختار ما نهواه؟ أُحد مرآة، فانظر فيها بصدق. وأنت واقف عند قبور أولئك الرجال السبعين الذين بذلوا أرواحهم، اسأل نفسك: هل كنت ستبقى على ذلك التل؟ هل كنت ستطيع والجميع يركضون؟ هذا هو سؤال أُحد الحقيقي: ليس ما حدث يومها، بل ما ستفعله أنت الآن.
لمسجد القبلتين مكانة فريدة في التاريخ الإسلامي. فبحسب أهل السيرة، هو المسجد الذي نزل فيه، أثناء صلاة جماعة، الأمر بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة.
فطوال ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا بعد الهجرة، صلّى المسلمون مستقبلين بيت المقدس. وكان النبي ﷺ يحب أن يتوجه إلى الكعبة، فكان يرفع بصره إلى السماء راجيًا نزول الوحي. فأنزل الله تعالى:
﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾
سورة البقرة: ١٤٤ويروي ابن سعد، مصدّرًا الخبر بصيغة «يُقال»، أن النبي ﷺ كان في زيارة لبني سَلِمة، وقد صلّى بأصحابه ركعتين من الظهر في مسجدهم، حين نزل الأمر، فاستدار نحو الكعبة واستدار المصلّون معه، ومن هنا جاءت تسمية المسجد. وهذا خبر من أخبار السيرة، وليس من روايات كتب الصحيح، وإن كان ابن حجر قد قبله في فتح الباري. والأحاديث الصحيحة تُظهر الطاعة الفورية نفسها: فقد مرّ رجل كان قد صلّى العصر مع النبي ﷺ نحو الكعبة بأهل مسجد آخر وهم راكعون، فأخبرهم، فاستداروا كما هم نحو الكعبة (صحيح البخاري ٤٠، ٤٤٨٦)؛ وأهل قباء أُخبروا وهم في صلاة الفجر، فاستداروا في أثناء صلاتهم (صحيح البخاري ٤٠٣). في أثناء الصلاة، وهم ما زالوا راكعين، استداروا. هكذا يكون الاستسلام لله.
وكان تحويل القبلة امتحانًا كذلك. يقول الله تعالى في الآية التي قبلها:
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾
سورة البقرة: ١٤٣فقد انتقد المنافقون والمرتابون هذا التحويل، وقبله المؤمنون الصادقون فورًا. كانت القبلة امتحانًا للولاء: هل تتبع الله، أم تتبع منطقك أنت؟
نصيحة عملية: يقع مسجد القبلتين في الجزء الشمالي الغربي من المدينة، على بعد نحو ٤ كم من المسجد النبوي. وقد جُدّد، وهو مسجد أبيض جميل. والوصول إليه سهل في مشوار قصير بسيارة الأجرة، وتستحق زيارته لعظيم أهميته التاريخية. ويمكنك الصلاة فيه والتفكر في الحدث الجلل الذي وقع بين جدرانه.
يقع مسجد الغمامة قرب المسجد النبوي، ويُروى أنه الموضع الذي صلى فيه النبي ﷺ صلاة العيد وصلاة الاستسقاء. واسم «الغمامة» يعني «السحابة»، ويُربط عادةً بالرواية التي تذكر أن النبي ﷺ لمّا استسقى في المصلّى أنشأ الله سحابة فأمطرت (سنن أبي داود ١١٧٣، وحسّنه الألباني). وهو من أقدم مساجد المدينة.
مجموعة من المساجد الصغيرة قرب موقع غزوة الخندق، التي وقعت سنة ٥ هـ حين حاصرت قريش وحلفاؤها المدينة، فحفر المسلمون خندقًا لحماية المدينة (صحيح البخاري ٤٠٩٩)، وتذكر روايات السيرة أن سلمان الفارسي رضي الله عنه هو الذي أشار به. وتُنسب هذه المساجد إلى مواضع صلى فيها النبي ﷺ وبعض أصحابه أثناء الحصار. وأشهرها مسجد الفتح، الذي يُروى أن النبي ﷺ دعا فيه ثلاثة أيام حتى نصر الله المسلمين.
جبل صغير قرب موقع غزوة الخندق، ترتبط به أحداث عدة في أثناء الحصار. وتذكر بعض الروايات أن مقر قيادة النبي ﷺ كان هنا أثناء المعركة. والمكان يمنحك تصوّرًا للتضاريس والجغرافيا التي صاغت التاريخ الإسلامي المبكر.
وادٍ على الأطراف الغربية للمدينة، ورد في الحديث أنه وادٍ مبارك. فقد قال النبي ﷺ، في شأن صلاة في ذي الحليفة (ميقات أهل المدينة، وهي في هذا الوادي أيضًا): «أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك» (صحيح البخاري ١٥٣٤).
هذا هو الميقات (موضع الإحرام) لمن يسافر من المدينة إلى مكة للحج أو العمرة. فإن كنت تزور المدينة قبل حجك أو عمرتك، فمن هنا تُحرم. وهو أبعد المواقيت عن مكة، إذ يبعد عنها أكثر من ٤٠٠ كم. وقد قال النبي ﷺ: «يُهِلّ أهل المدينة من ذي الحليفة» (صحيح البخاري ١٥٢٥).
كلمة تحذير بشأن «المواقع التاريخية»: كثير من منظّمي الرحلات والسكان المحليين يشيرون إلى «مواقع تاريخية» متعددة في المدينة: بيت أبي بكر، والموضع الذي وقع فيه كذا وكذا، ونحو ذلك. وكثير من هذه النسب غير ثابتة. فالتزم بالمواضع المعروفة الموثّقة: المسجد النبوي، والروضة، ومسجد قباء، والبقيع، وجبل أُحد، ومسجد القبلتين. فهذه هي المواقع الرئيسية التي تقوم عليها أدلة واضحة (أما مسجد القبلتين فقصة تسميته مصدرها روايات السيرة المذكورة آنفًا). وكن حذرًا من الدعاوى المتعلقة بالمواضع الأخرى، ولا تفعل أي عمل مبتدع في أي موقع.
المدينة مدينة قامت حول المسجد النبوي، وزيارتك كلها ستدور حول المسجد، وكل ما تحتاجه في متناول يدك. وإليك إرشادات عملية تعينك على الاستفادة القصوى من وقتك:
تتميّز الساحات الواسعة المحيطة بالمسجد النبوي بالمظلات المتحركة الشهيرة، التي تنفتح نهارًا لتوفير الظل. ومشاهدة انفتاحها عند الشروق تجربة جميلة. وأرضية الساحات من رخام أملس قد يصبح شديد الحرارة نهارًا في الصيف، فالبس ما يقي قدميك إذا مشيت عليه في ذروة الحر.
المدينة مشهورة عالميًّا بتمورها، وأنفس أصنافها تمر العجوة: تمر داكن ليّن حلو، أوصى به النبي ﷺ تحديدًا:
قال النبي ﷺ: «من تصبّح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يضرّه في ذلك اليوم سمّ ولا سحر»
صحيح البخاري ٥٤٤٥تمر العجوة أغلى من غيره من الأصناف لمكانته الخاصة، لكنه خير ما تشتريه لنفسك وتهديه لغيرك. ومن أصناف تمور المدينة الممتازة الأخرى: الصفاوي، والمبروم، والسكري، والخضري. ومحلات التمور منتشرة في كل مكان حول المسجد، وكثير منها يتيح لك التذوق قبل الشراء.
شراء التمور: اشترِ من محلات موثوقة. فالأسعار تتفاوت كثيرًا، فقارن بين عدة محلات قبل شراء كمية كبيرة. وتمر العجوة من منطقة العالية (أعالي المدينة) يُعدّ الأصيل، وقد قال النبي ﷺ: «إن في عجوة العالية شفاءً، أو إنها ترياقٌ، أوّلَ البُكرة» (صحيح مسلم ٢٠٤٨). فاطلب «عجوة المدينة» بالاسم.
تذكّر: وقتك في المدينة محدود. وكل لحظة تقضيها في حديث فارغ، أو تسوّق لا حاجة إليه، أو تقليب للهاتف، هي لحظة كان يمكن أن تنال فيها أجر ألف صلاة. خطّط لعبادتك، وضع لنفسك أهدافًا. وحين تغادر، غادر وأنت تعلم أنك أعطيت هذه المدينة المباركة كل ما عندك.
رحلتك تقترب من نهايتها. وسواء زرت المدينة قبل حجك أو بعده، وسواء كانت هذه حجتك الأولى أم العاشرة، فإن تجربة الوقوف في مدينة النبي ﷺ، والصلاة في مسجده، والسلام عليه عند قبره، والمشي في الطرقات التي قام فيها بناء الإسلام، تجربة ستبقى معك بقية عمرك.
تقبّل الله حجك وعمرتك. وغفر لك كل ذنب اقترفته في حياتك: ما تذكره منها وما نسيته، وما فعلته عن علم وما فعلته عن جهل. ورزقك جنة الفردوس، أعلى درجات الجنة، بغير حساب ولا عذاب. وسقاك من حوض النبي ﷺ يوم القيامة شربة لا تظمأ بعدها أبدًا. وجمعك بالنبي ﷺ، وبأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وبالصحابة، والعلماء، والشهداء، وبكل من تحبهم فيه. وأعادك إلى بلدك وقد تغيّرت، وأعادك طاهرًا، وجعل الإنسان الذي ينزل من الطائرة مختلفًا في جوهره عن الذي صعد إليها.
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
هذا دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما يبنيان الكعبة [البقرة: ١٢٧]. فحتى وهما يؤديان عملًا من أعظم أعمال العبادة، لم يعدّا قبوله أمرًا مضمونًا. فتضرّعا، وابتهلا. فإن كان خليل الله نفسه قد خشي ألا يُقبل عمله، فكم نحن أحوج إلى التضرّع والابتهال؟
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
وهذا الدعاء [البقرة: ٢٠١] كان أكثر دعاء النبي ﷺ نفسه. قال أنس رضي الله عنه: «كان أكثر دعاء النبي ﷺ: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» (صحيح البخاري ٦٣٨٩). فإن كان هذا الدعاء قد كفى خير الخلق، فهو كافٍ لنا من باب أولى.
قال النبي ﷺ: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه»
صحيح البخاري ١٥٢١كيوم ولدتك أمك. نقيًّا. طاهرًا. هذا وعد نبيك ﷺ لمن حج لله فلم يرفث ولم يفسق، وقبول ذلك عند الله وحده. ويبيّن العلماء أن الديون وحقوق الناس لا بد من ردّها، وأن الكبائر تحتاج إلى توبة صادقة. هذه رحمة ربك. جئت إلى الحج تحمل عبء ذنوبك، وتعود وأنت ترجو أن يكون قد رفعه عنك.
جئت إلى هذه البلاد ضيفًا على الله. مشيت حيث مشى الأنبياء. وصليت حيث تصلي الملائكة. وطفت بالبيت الذي بناه إبراهيم. وسعيت في الطريق الذي سعت فيه هاجر. ووقفت على صعيد عرفة، وتضرّعت إلى رب العالمين أن يغفر لك. وبتّ تحت النجوم في مزدلفة. ورميت الجمرات، حيث رجم إبراهيم عليه السلام الشيطان، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وذبحت كما كان إبراهيم مستعدًّا أن يذبح. وحلقت شعرك أو قصّرته تواضعًا. وسلّمت على أعظم إنسان عاش على وجه الأرض.
ومهما حدث في حياتك بعد ذلك، فقد حججت. لقد أجبت نداء إبراهيم، النداء الذي أطلقه قبل آلاف السنين، واقفًا على تلّ أجرد، ينادي في الفراغ، واثقًا بأن الله سيبلّغ صوته كل أقطار الأرض. فبلغك صوته، فأجبت. لبيك اللهم لبيك.
وقفت بعرفة، وتضرّعت أن يُغفر لك. فارجع الآن إلى بيتك وعش عيشة من يرجو أن يكون قد غُفر له. كن ذلك الإنسان الذي رآه الله في عرفة: الدموع على خديه، ويداه مرفوعتان إلى السماء، يتضرّع طالبًا الرحمة. كن ذلك الإنسان كل يوم. لا في عرفة فقط، ولا في رمضان فقط، ولا حين تنزل المصائب فقط. كل يوم.
تلك هي ثمرة الحج: ليست المناسك وحدها، بل التحوّل الذي تتركه فيك. ليست الرحلة إلى مكة، بل الرحلة إلى الله. الطائرات ستعيدك إلى بيتك، والسؤال: هل ستعود بالحج معك إلى بيتك؟
اللهم اجعله كذلك. آمين.
شكرًا لك على وقتك في الاستفادة من هذا المرجع. لقد كان عملًا صنعته بحب، وأسأل الله أن ينفعك به في رحلتك.
حين حججت أول مرة عام ٢٠٠٨، كانت تلك الحجة تحوّلًا كبيرًا في حياتي. وكنت أنا وزوجتي في ذلك الوقت نسعى إلى الإنجاب منذ سنوات. ورغم الصعوبة، كنت أعتقد اعتقادًا قويًّا أن دعواتي على صعيد عرفة لن تذهب بلا إجابة.
وما هي إلا مدة يسيرة بعد عودتنا حتى حملت زوجتي، ورُزقنا بتوأم، سمّيتهما صفا ومروة، شكرًا لله، ورباطًا دائمًا بتلك البقاع المقدسة التي سعت فيها هاجر رضي الله عنها بإيمان واضطرار، والتي استجاب الله فيها.
ينبغي أن يكون الحج نقطة تحوّل في حياتك. تحوّلًا. فاصلًا بين ما قبله وما بعده. ومنذ تلك اللحظة ينبغي أن ترى العالم بنظرة أعمق وأكثر ربانية. فالزحام، والحر، والإرهاق، ليست عقبات، بل هي النار التي تصوغ فيك شيئًا جديدًا.
وأسأل الله لك التحوّل نفسه: أن يتقبّل حجك، ويغفر ذنوبك، ويستجيب دعاءك كما استجاب دعائي، ويعيدك إلى بيتك عبدًا أفضل، ووالدًا أفضل، وإنسانًا أفضل.
بارك الله في رحلتك. آمين.
عبد الأكبر
المؤلف، thehajj.guide
Grand Mosque Imam Addresses Guests of King's Umrah Program at Orientation Session in Makkah وكالة الأنباء...
Riyadh attack: Activities in Makkah, Madinah proceed as usual The Malaysian Reserve...
Malaysians advised to postpone umrah pilgrimage to Saudi Arabia amid security concerns The Straits Times...
The Saudi Ministry of Hajj and Umrah has confirmed that a full year, 365 days, must pass before a pilgrim can obtain a n...