النعال في الإحرام - المذاهب الأربعة
قلَّما تُحيِّر مسألةٌ عمليةٌ مَن يحج أو يعتمر لأول مرة كما تحيّره مسألة ما يلبسه في قدميه أثناء الإحرام. فالسنة واضحة في أصول المسألة، لكن المذاهب الفقهية السنية الأربعة (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي) تختلف في التفاصيل. وفهم هذا الخلاف يعينك على اختيار ما تلبسه في قدميك بثقة، وعلى تجنب الفدية دون داعٍ.
الأدلة من الحديث
يقوم هذا البحث على روايتين أساسيتين. الأولى النهي المشهور الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما:
أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ: «لا يلبس القُمُص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخِفاف، إلا أحدٌ لا يجد نعلين فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين...»
- صحيح البخاري ١٥٤٢، صحيح مسلم ١١٧٧والرواية الثانية عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد جاءت متأخرة، في حجة الوداع بعرفة:
قال: سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات: «من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل»
- صحيح البخاري ١٨٤١، صحيح مسلم ١١٧٨والنقطة الجوهرية أن رواية ابن عباس متأخرة زمنًا، إذ كانت في حجة الوداع. ولاحظ أنها لا تذكر قطع الخفين. وقد اختلفت المذاهب الأربعة: هل تنسخ هذه الرواية المتأخرة الأمرَ السابق بالقطع، أم يُجمع بين الروايتين؟
أقوال المذاهب الأربعة في حق الرجال
يصل كل مذهب من المذاهب السنية الأربعة إلى نتيجة مختلفة قليلًا بحسب طريقته في الجمع بين الحديثين الأساسيين السابقين. وكل رسم من الرسوم التالية يصوِّر النعل البسيط نفسه ذا السير بين الأصابع، من أعلى ومن الجانب. وحيث يسمّي المذهب أجزاءً من القدم يجب أن تبقى مكشوفة فقد وُضعت عليها علامات، ويبيّن الجزء السفلي من الرسم حكم ذلك المذهب في الخفين إذا لم توجد نعال.
المذهب الحنفي
يدور القول الحنفي على تحديد موضع الكعب. فالنعل في الإحرام يجب ألا يستر:
- عظمي الكاحل
- العظم الصغير في ظهر القدم حيث يُعقد رباط الحذاء عادةً (مفصل القدم)، وهو الذي يسميه الحنفية في هذا الحكم الكعب
وإن لم يجد الرجل نعالًا مناسبة قطع الخفين أسفل من الكعب (العظم الذي في ظهر القدم)، اتباعًا لرواية ابن عمر، وحينئذ لا فدية عليه. وكل ما يُلبس في القدم ويترك ذلك العظم مكشوفًا فحكمه حكم النعل. ومن لبس الخفين غير مقطوعين لزمه الجزاء: دم إن لبسهما يومًا كاملًا، وصدقة إن لبسهما أقل من ذلك.
المذهب المالكي
وفي القول المالكي يجب أن يكشف النعل:
- ظهر القدم (عدا سيور النعل)
- الكعبين
وإن لم توجد نعال (أو لم توجد إلا بثمن فاحش)، جاز للرجل لبس الخفين، لكن يجب عليه أن يقطعهما أسفل من الكعبين (اتباعًا لرواية ابن عمر)، وحينئذ لا فدية عليه. وتلزمه الفدية إن لبسهما غير مقطوعين، أو لبس الخفين ولو مقطوعين مع وجود النعال بثمن معتاد.
المذهب الشافعي
يسلك القول الشافعي طريقًا وسطًا. فالقيد نفسه قائم: يجب ألا يستر النعل ظهر القدم ولا الكعبين. وإن لم يجد الرجل نعالًا:
- لم يجز له لبس الخفين إلا بعد قطعهما أسفل من الكعبين
- فإن قطعهما فلا فدية عليه
- وإن لبس الخفين غير مقطوعين للضرورة وجبت الفدية
ويعدّ المذهب الشافعي حديث ابن عمر هو الحكم المعمول به، ويرى أن رواية ابن عباس لا تنسخ وجوب القطع.
المذهب الحنبلي
القول الحنبلي هو الأيسر، ويراه كثير من العلماء المعاصرين أقوى الأقوال. إذ يرى الحنابلة أن حديث ابن عباس في عرفة ينسخ الأمر السابق بالقطع، وذلك:
- لأنه جاء متأخرًا زمنًا (في حجة الوداع)
- ولأنه كان خطبة عامة للأمة كلها في عرفة
- ولأن قطع الجلد الثمين إتلاف لمال نافع (وهو من إضاعة المال)، وقد حذَّر النبي ﷺ من ذلك (صحيح البخاري ١٤٧٧)
فالحكم عند الحنابلة إذن: إن لم يجد الرجل نعالًا جاز له أن يلبس الخفين دون قطعهما وبلا فدية. وهذا أيضًا هو القول الذي اختاره الإمام ابن تيمية وابن القيم، وكثير من كبار علماء المملكة العربية السعودية في العصر الحديث، ومنهم الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله.
جدول موجز للرجال:
| المذهب | الأصل في الحكم | إذا لم تتوفر النعال |
|---|---|---|
| الحنفي | النعال، أو كل ما يُلبس في القدم ويترك العظم الذي في ظهر القدم وعظمَي الكاحل مكشوفةً | قطع الخفين أسفل من العظم الذي في ظهر القدم - بلا فدية |
| المالكي | النعال فقط - مع كشف القدمين والكعبين | قطع الخفين أسفل من الكعبين - بلا فدية |
| الشافعي | النعال فقط - مع كشف القدمين والكعبين | قطع الخفين أسفل من الكعبين - بلا فدية |
| الحنبلي | النعال فقط - مع كشف القدمين والكعبين | لبس الخفين دون قطع - بلا فدية |
ما تلبسه المرأة في قدميها
هذا من أكثر الأحكام طمأنةً للأخوات اللاتي يستعددن للحج أو العمرة: ليس على المرأة قيود خاصة فيما تلبسه في قدميها أثناء الإحرام. فالنهي عن ستر الكعبين وظهر القدم خاص بالرجال. فيجوز للمرأة المحرمة أن تلبس:
- الأحذية المغلقة (الأحذية الرياضية وأحذية المشي)
- الصنادل بأي شكل
- الأحذية الجلدية المسطحة اللينة
- الجوارب تحت أيٍّ مما سبق
والمذاهب الأربعة متفقة على ذلك: فالنهي عن الخفين خوطب به الرجال، وقد رخّص النبي ﷺ للنساء المحرمات في لبس الخفين (سنن أبي داود ١٨٣١). وقيود إحرام المرأة تتعلق بوجهها (فلا تنتقب بنقاب مشدود على الوجه)، وعند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) بيديها أيضًا (فلا تلبس القفازين، ويجيز الحنفية لها القفازين)، ولا تتعلق بقدميها.
نصيحة للأخوات: اختاري ما تلبسينه في قدميك لأنه مريح وداعم ومحتشم، لا لأنه عصري المظهر. فالأحذية الرياضية المبطَّنة أو صنادل المشي الجيدة ستخدمك أفضل بكثير من الأحذية المسطحة الخفيفة عبر كيلومترات الطواف والسعي والمشي بين منى وعرفة ومزدلفة. وتجد كثير من الأخوات أن الأحذية المغلقة من الأمام تحمي أيضًا من حروق الشمس على ظهر القدم ومن الدوس على الأصابع الذي لا مفرّ منه في الزحام.
إرشادات عملية - اختيار الصندل وتعويد قدميك عليه
أيًّا كان المذهب الذي تتبعه، فالواقع العملي واحد: ستمشي ما بين ٥٠ و١٠٠ كيلومتر خلال أيام الحج. فالطواف الواحد بأشواطه السبعة يبلغ نحو ١ إلى ٢ كم في الدور الأرضي، وأطول من ذلك بكثير في الأدوار العليا (وكثير من الحجاج يطوفون أكثر من الأطوفة الواجبة). ويضيف السعي نحو ٢٫٨ كم (سبعة أشواط، طول كل منها نحو ٣٩٥ مترًا). وقد يتجاوز مجموع المشي بين منى وعرفة ومزدلفة ٢٠ كم إن مشيت الطريق كله. وأضف إلى ذلك الذهاب إلى فندقك والعودة منه، فيرتفع المجموع سريعًا.
ما الذي تبحث عنه
- نعل مبطَّن - من مادة EVA السميكة أو المطاط. فالنعال الجلدية القاسية ستُتلف قدميك.
- سيور قابلة للضبط - فقدماك ستنتفخان في الحر، وستحتاج إلى إرخائها بحلول اليوم الثالث.
- خامة سريعة الجفاف - فأنت تتوضأ باستمرار وتمشي في أماكن الوضوء المبتلة.
- دعم جيد لقوس القدم - فالصنادل المسطحة طريق مضمون إلى آلام باطن القدم بعد اليوم الأول.
- لون فاتح - فالصنادل الداكنة تمتص الحرارة من رخام ساحات الحرم الذي تلفحه الشمس.
- حماية للأصابع - فالحافة الأمامية المرتفعة قليلًا تقي أصابعك من الارتطام في الزحام.
ومن الخيارات الشائعة الصنادل (لا القباقيب ولا الأحذية المغلقة) من ماركات مثل Birkenstock وTeva وCrocs LiteRide وNaot، و«صنادل الحج» الصينية الصنع الزهيدة الثمن التي تُباع في مكة المكرمة. ومهما اخترت فتأكد من أنها تستوفي شروط الإحرام في مذهبك.
تعويد قدميك عليها - أهم نصيحة
لا تلبس أبدًا صندلًا جديدًا تمامًا في اليوم الأول من الحج. فهذا من أكثر الأخطاء شيوعًا وإيلامًا بين الحجاج. فالجلد الجديد يحتك، والسيور الجديدة تجرح، والنعل الجديد ينزلق. وبحلول اليوم الثاني تصير قدماك خريطة من البثور، وتقضي حجك وأنت تعرج بدل أن تتفرغ للعبادة.
والحل أن تشتري نعال الحج قبل سفرك بـ٣ إلى ٤ أسابيع على الأقل وتلبسها كل يوم في الفترة السابقة للسفر. وعلى وجه التحديد:
- الأسبوعان الرابع والثالث قبل الحج: البسها في البيت ساعة أو ساعتين كل مساء، فهذا يليّن السيور دون أن يسبب البثور.
- الأسبوع الثاني: البسها خارج البيت في مشاوير قصيرة: إلى المتاجر، وإلى المسجد، وحول الحديقة. واجعل هدفك لبسها ٣٠ دقيقة متواصلة على الأقل.
- الأسبوع الأول: البسها عدة ساعات متواصلة، ومن ذلك مشي طويل لمسافة ٥ كم أو أكثر. وينبغي أن تكون قد تشكلت على هيئة قدميك بحلول هذا الوقت.
- يوم السفر: البسها في الطائرة. وينبغي أن تشعر بها كصديق قديم حين تهبط في جدة.
نصيحة من أهل الخبرة: احزم دائمًا زوجًا احتياطيًّا في حقيبتك. فالصنادل قد تنقطع (ينخلع السير من النعل، وهذا يحدث كثيرًا)، أو تضيع خارج الحرم (رغم حرصك الشديد)، أو تظهر فيها مشكلة مفاجئة في اليوم الخامس. وزوج ثانٍ قد اعتادته قدماك ينتظرك في غرفة الفندق تأمين زهيد الكلفة لأهم رحلة في حياتك.
حمل صندلك داخل الحرم
داخل المسجد الحرام والمسجد النبوي ستحتاج إلى حمل صندلك أثناء الصلاة (إذ لا يمكنك تركه عند المدخل في أوقات الذروة، فالأرجح أن يُنقل أو يؤخذ). والطريقة المتبعة هي:
- أحضر كيسًا صغيرًا برباط أو أحد الأكياس البلاستيكية المجانية التي تُوزَّع عند أبواب الحرم.
- ضع فردتي الصندل بحيث يلتقي باطن إحداهما بباطن الأخرى، كي لا تنتقل الأوساخ.
- احمل الكيس معك أثناء الطواف والصلاة.
وينسى كثير من الحجاج هذا التفصيل الصغير، فيجدون أنفسهم يمشون حفاة على الرخام الحارق في الخارج، أو أسوأ من ذلك، يفقدون صنادلهم الجديدة في اليوم الأول. وكيس بلاستيكي بسيط يقي من الأمرين.
كلمة أخيرة في اختلاف المذاهب
الخلاف بين المذاهب الأربعة في هذه المسألة رحمة لا تناقض. فكل إمام أفتى بحسب الدليل كما فهمه، وكل قول له أصل في نصوص السنة. فإن كنت تتبع مذهبًا معينًا فاتبع قوله. وإن كنت لا تتبع مذهبًا بعينه، فإن القول الحنبلي (لا حاجة إلى القطع ولا فدية) يراه كثير من العلماء المعاصرين أقوى الأقوال، بناءً على قاعدة أن الحكم المتأخر المعلن للناس في عرفة مقدَّم.
والأهم ألا تقع في الوسوسة والشك المفرط بشأن ما تلبسه في قدميك. فالله أرحم الراحمين، وقد شرع لنا دينًا قائمًا على اليسر لا على العسر. فاختر صنادلك بعناية، وعوِّد قدميك عليها جيدًا، واتبع القول الذي تطمئن إليه، واجعل قلبك منصرفًا إلى المناسك، فلهذا شُرع الحج.